الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الحادي والعشرون قل آمنت بالله ثم استقم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 506 ] الحديث الحادي والعشرون .

عن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه ، قال : قلت : يا رسول الله ، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك ، قال : قل آمنت بالله ، ثم استقم رواه مسلم .

التالي السابق


هذا الحديث خرجه مسلم من رواية هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن سفيان وسفيان : هو ابن عبد الله الثقفي الطائفي له صحبة ، وكان عاملا لعمر بن الخطاب على الطائف .

وقد روي عن سفيان بن عبد الله من وجوه أخر بزيادات ، فخرجه الإمام أحمد ، والترمذي وابن ماجه من رواية الزهري عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز ، وعند الترمذي : من رواية عبد الرحمن بن ماعز عن سفيان بن عبد الله قال : قلت : يا رسول الله ، حدثني بأمر أعتصم به ، قال : قل : ربي الله ، ثم استقم قلت : يا رسول الله ، ما أخوف ما تخاف علي ؟ فأخذ بلسان نفسه ، قال هذا ، وقال الترمذي : حسن صحيح .

وخرجه الإمام أحمد ، والنسائي من رواية عبد الله بن سفيان الثقفي ، عن أبيه أن رجلا قال : يا رسول الله ، مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك [ ص: 507 ] قال : قل : آمنت بالله ، ثم استقم قلت : فما أتقي ؟ فأومأ إلى لسانه .

قول سفيان بن عبد الله للنبي صلى الله عليه وسلم : " قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك " طلب منه أن يعلمه كلاما جامعا لأمر الإسلام كافيا حتى لا يحتاج بعده إلى غيره ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : قل آمنت بالله ، ثم استقم وفي الرواية الأخرى : " قل : ربي الله ، ثم استقم " هذا منتزع من قوله عز وجل : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون [ فصلت : 30 ] ، وقوله عز وجل : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون [ الأحقاف : 13 - 14 ] .

وخرج النسائي في " تفسيره " من رواية سهيل بن أبي حزم : حدثنا ثابت ، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فقال : " قد قالها الناس ، ثم كفروا ، فمن مات عليها فهو من أهل الاستقامة " . وخرجه الترمذي ، ولفظه : فقال : " قد قالها الناس ، ثم كفر أكثرهم ، فمن مات عليها ، فهو ممن استقام " ، وقال : حسن غريب ، وسهيل تكلم فيه من قبل حفظه . [ ص: 508 ] وقال أبو بكر الصديق في تفسير ثم استقاموا قال : لم يشركوا بالله شيئا . وعنه قال : لم يلتفتوا إلى إله غيره . وعنه قال : ثم استقاموا على أن الله ربهم .

وعن ابن عباس بإسناد ضعيف قال : هذه أرخص آية في كتاب الله قالوا ربنا الله ثم استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله . وروي نحوه عن أنس ومجاهد والأسود بن هلال ، وزيد بن أسلم ، والسدي وعكرمة وغيرهم . وروي عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية على المنبر إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ، فقال : لم يروغوا روغان الثعلب .

وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : ثم استقاموا قال : استقاموا على أداء فرائضه .

وعن أبي العالية ، قال : ثم أخلصوا له الدين والعمل .

وعن قتادة قال : استقاموا على طاعة الله ، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية [ ص: 509 ] قال : اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة .

ولعل من قال : إن المراد الاستقامة على التوحيد إنما أراد التوحيد الكامل الذي يحرم صاحبه على النار ، وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله ، فإن الإله هو المعبود الذي يطاع ، فلا يعصى خشية وإجلالا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلا ودعاء ، والمعاصي كلها قادحة في هذا التوحيد ، لأنها إجابة لداعي الهوى وهو الشيطان ، قال الله عز وجل : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [ الجاثية : 23 ] قال الحسن وغيره : هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه ، فهذا ينافي الاستقامة على التوحيد .

وأما على رواية من روى : " قل : آمنت بالله " فالمعنى أظهر ، لأن الإيمان يدخل فيه الأعمال الصالحة عند السلف ومن تابعهم من أهل الحديث ، وقال الله عز وجل : فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير [ هود : 112 ] ، فأمره أن يستقيم هو ومن تاب معه ، وأن لا يجاوزوا ما أمروا به ، وهو الطغيان ، وأخبر أنه بصير بأعمالكم ، مطلع عليها ، قال تعالى : فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم [ الشورى : 15 ] قال قتادة : أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يستقيم على أمر الله وقال الثوري على القرآن ، وعن الحسن ، قال : لما نزلت هذه الآية شمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رئي ضاحكا خرجه ابن أبي حاتم وذكر القشيري وغيره عن بعضهم : أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، فقال له : يا رسول الله ، قلت : " شيبتني هود وأخواتها " فما شيبك [ ص: 510 ] منها ؟ قال : " قوله : فاستقم كما أمرت .

وقال عز وجل : قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه [ فصلت : 6 ] .

وقد أمر الله تعالى بإقامة الدين عموما كما قال : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه [ الشورى : 13 ] ، وأمر بإقام الصلاة في غير موضع من كتابه ، كما أمر بالاستقامة على التوحيد في تلك الآيتين .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث