الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثالث أن أبا عمرو بن حفص طلقها ألبتة وهو غائب بالشام

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

1234 [ ص: 135 ] حديث ثالث لعبد الله بن يزيد

مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن فاطمة بنت قيس : أن أبا عمرو بن حفص طلقها ألبتة ، وهو غائب ( بالشام ) فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال : والله ما لك علينا من شيء ، فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقال : ليس لك عليه نفقة ، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ، ثم قال لها : تلك امرأة يغشاها أصحابي ، اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى ، تضعين ثيابك ، فإذا حللت فآذنيني . قالت : فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان ، وأبا جهم بن هشام خطباني ; فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ، وأما معاوية فصعلوك لا مال له ، انكحي أسامة بن زيد ، قالت : فكرهته ; ، ثم قال : انكحي [ ص: 136 ] أسامة بن زيد ، قالت : فنكحته ، فجعل الله فيه خيرا ، واغتبطت ( به ) .

التالي السابق


قال أبو عمر :

أما قول يحيى في هذا الحديث : إن معاوية بن أبي سفيان ، وأبا جهم بن هشام خطباني ، فمن الغلط البين ، ولم يقل أحد من رواة الموطأ " أبا جهم بن هشام " غير يحيى ، وإنما في الموطأ عند جماعة الرواة غير يحيى : أن معاوية بن أبي سفيان ، وأبا جهم خطباني ، هكذا " أبو جهم " غير منسوب في الموطأ ، وهو أبو جهم بن حذيفة بن غانم العدوي القرشي ، اسمه عمير ، ويقال : عبيد بن حذيفة ، وفي بعض نسخ الموطأ - رواية ابن القاسم من طريق الحارث بن مسكين - أبو جهم بن هشام ، وهذا كما وصفنا عن يحيى قد ذكرناه في كتابنا في الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا ، وليس في الصحابة أحد يقال له : أبو جهم بن هشام .

وأما قول مالك في هذا الحديث عن فاطمة ابنة قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها ألبتة ، فلا خلاف عن مالك في نقل ذلك .

وكذلك روى الليث عن جعفر بن ربيعة ، عن الأعرج ، عن أبي سلمة أن فاطمة ابنة قيس كانت تحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين طلقت ألبتة ، وذكر الحديث .

[ ص: 137 ] وكذلك روى محمد بن عمرو عن أبي سلمة ، عن فاطمة بنت قيس قالت : كنت عند رجل من بني مخزوم فطلقني ألبتة ، ثم ساق الحديث نحو حديث مالك .

وكذلك روى الليث عن أبي الزبير ، عن عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو بن حفص أن جده طلق فاطمة ألبتة ، وكذلك روى مجالد ، عن الشعبي ، عن فاطمة قالت : كنت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقني فبت طلاقي ، وخرج إلى اليمن . وذكر الحديث .

ففي هذا جواز طلاق ألبتة وطلاق الثلاث لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ينقل عنه أحد أنه أنكر ذلك ، ولكن قد اختلف عن فاطمة في طلاقها هذا ، فقيل : إنه طلقها ثلاثا مجتمعات ، وقيل إنها كانت آخر ثلاث تطليقات ، والله أعلم .

أخبرنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا أبان بن يزيد العطار قال : حدثني يحيى بن أبي كثير قال : حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أن فاطمة بنت قيس حدثته : أن أبا حفص بن المغيرة طلقها ثلاثا - وساق الحديث . وفيه : أن خالد بن الوليد ونفرا من بني مخزوم أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا إن أبا حفص بن المغيرة طلق امرأته ثلاثا ، وذكر تمام الحديث كذا قال : إن أبا حفص بن المغيرة ، وهو خطأ ، والصواب ما قاله مالك أن أبا عمرو بن حفص ، وهو أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم . قيل : اسمه عبد الحميد ، وقد ذكرناه في كتاب الصحابة بما ينبغي من ذكره .

[ ص: 138 ] وأخبرنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمود بن خالد قال : حدثنا الوليد قال : حدثنا أبو عمرو يعني الأوزاعي ، عن يحيى قال : حدثني أبو سلمة قال : حدثتني فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص المخزومي طلقها ثلاثا ، وساق الحديث .

قال أبو داود ، وكذلك رواه الشعبي ، والبهي ، وعطاء ، عن عبد الرحمن بن عاصم ، وأبو بكر بن أبي الجهم ، عن فاطمة أن زوجها طلقها ثلاثا .

قال أبو عمر :

يعني أبو داود أن الشعبي روى عن فاطمة أن زوجها طلقها ثلاثا ، وأن الزهري روى عن أبي سلمة ، عن فاطمة أن زوجها طلقها ثلاثا ، كذا رواه يونس ، وعقيل ، عن ابن شهاب ، وعند ابن شهاب في ذلك إسناد آخر ، عن عبيد الله بن عبد الله سنذكره إن شاء الله ، وأن أبا بكر بن أبي الجهم روى عن فاطمة أن زوجها طلقها ثلاثا ، وأن عطاء روى عن عبد الرحمن بن عاصم ، عن فاطمة أن زوجها طلقها ثلاثا ، وهو عبد الرحمن بن عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري رواه ابن جريج عن عطاء .

ورواه حجاج بن أرطاة عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن فاطمة ، وهو خطأ .

ذكر عبد الرزاق قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني عطاء قال : أخبرني عبد الرحمن بن عاصم بن ثابت ، أن فاطمة ابنة قيس أخت [ ص: 139 ] الضحاك بن قيس الفهرية ، وكانت عند رجل من بني مخزوم فأخبرته أن زوجها طلقها ثلاثا ، وخرج إلى بعض المغازي ، وأمر وكيلا له أن يعطيها بعض النفقة ، وذكر الحديث .

قرأت على عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن عبد السلام قال : حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا شعبة ، عن أبي بكر بن أبي الجهم قال : دخلت على فاطمة بنت قيس أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، - وهي في بيت آل الزبير - فسألناها عن حديثها فقالت : طلقني زوجي ثلاثا فلم يدع لي سكنى ولا نفقة ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت له : لم يدع لي سكنى ولا نفقة ، فقالوا : صدقت . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : اسكني في بيت أم شريك ، ثم قال : إن بيت أم شريك مغشي ، ولكن اقعدي في بيت ابن أم مكتوم ، فإنه أعمى ، فإنك إن تنزعي ثيابك لم ير شيئا . قال : ففعلت . قالت : فلما انقضت عدتي خطبني معاوية وأبو جهم ، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ( ذلك ) فقال : أما معاوية فرجل لا مال له ، وأما أبو جهم فرجل شديد على النساء ، فخطبني أسامة بن زيد فتزوجته فبارك الله لي .

وروى معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله : أن أبا عمرو بن حفص أرسل إلى فاطمة بنت قيس امرأته بتطليقة له كانت بقيت له من طلاقه .

وروى الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن فاطمة بنت قيس أنها أخبرته أنها كانت عند أبي حفص بن المغيرة ، وأن أبا [ ص: 140 ] حفص بن المغيرة طلقها آخر ثلاث تطليقات ، هذه رواية يزيد بن خالد الرملي عن الليث ، ذكرها أبو داود ، عن يزيد هذا .

وروى عبد الله بن صالح عن الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن فاطمة ابنة قيس ، وهي أخت الضحاك بن قيس أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقها ثلاثا .

حدثناه عبد الوارث قال : ( حدثنا قاسم قال : ) حدثنا مطلب قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، وهذه الرواية عندي أصح من التي ذكر أبو داود ، عن يزيد بن خالد ، عن الليث ; لأني أخشى أن يكون صحف كما صنع في اسم زوج فاطمة إذ قال : كانت عند أبي حفص بن المغيرة ، وإن أبا حفص بن المغيرة ، وقد مضى القول على من قال ذلك قبل هذا ، والحمد لله .

وروى يونس ، عن الزهري ، عن عبيد الله مثل حديث معمر فجمع يونس الحديثين عن الزهري : حديث عبيد الله وحديث أبي سلمة ، وكذلك الزبيدي جمع الحديثين جميعا عن الزهري ، وفي حديث عبيد الله : أنها طلقها زوجها تطليقة كانت بقيت لها ، بعث إليها بطلاقها ذلك ، كذلك قال معمر وغيره فيه ، وهذا يصحح ما قاله مالك أنه طلقها وهو غائب ، وقال في هذا الحديث جماعة عن الشعبي ، وعن أبي سلمة أنه طلقها ثم خرج إلى اليمن أو إلى بعض المغازي ، فالله أعلم .

وروى صالح بن كيسان ، وابن جريج ، وشعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن فاطمة أن زوجها طلقها آخر ثلاث تطليقات .

[ ص: 141 ] وروى ابن إسحاق ، عن عمران بن أبي أنس ، عن أبي سلمة ، عن فاطمة قالت : كنت عند أبي عمر فبعث إلي بتطليقتي الثالثة ، فهذا ما بلغني مما في حديث فاطمة من الاختلاف في صفة طلاقها ، فلا حجة فيه لمن قال : إن طلاق الثلاث مجتمعات سنة ، ولا لمن أنكر ذلك ، للاختلاف فيه ، وقد أوضحنا القول في هذه المسألة وبسطناه ومهدناه في باب نافع ، والحمد لله .

وأما قوله : فأرسل إليها وكيله بشعير ، ففيه إباحة الوكالة وثبوتها ، وهذا أصل فيها ، وأما قوله : والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقال : ليس لك عليه نفقة ، ففي هذا دليل بل نص أن لا نفقة للمبتوتة ; إلا أن تكون حاملا فيكون لها النفقة بإجماع لقول الله عز وجل ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ) وفي هذا دليل بين أنهن إن لم يكن أولات حمل لم ينفق عليهن ، وفاطمة بنت قيس لم تكن حاملا فلهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا نفقة لك .

واختلف أهل العلم في النفقة للمبتوتة ، فأباها قوم ، وهم أهل الحجاز منهم مالك ، والشافعي ، وتابعهم على ذلك أحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وحجتهم ظاهرة قوية بهذا الحديث .

وقال آخرون : لها النفقة ، وممن قال ذلك أكثر فقهاء العراقيين ، منهم ابن شبرمة ، وابن أبي ليلى ، والثوري ، والحسن بن صالح ، وأبو حنيفة وأصحابه ، وعثمان البتي ، وعبيد الله بن الحسن ، وحجتهم ما روي عن عمر ، وابن مسعود أنهما قالا : المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة .

[ ص: 142 ] أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن شاذان قال : حدثنا المعلى قال : حدثنا حفص بن غياث ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عمر قال : المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة ما دامت في العدة .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا محمد بن شاذان قال : حدثنا المعلى قال : حدثنا يعقوب ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عمر بن الخطاب أنه قال : لا يجوز في دين المسلمين قول امرأة ، وكان يجعل للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة .

وروى شعبة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن شريح في المطلقة ثلاثا قال : لها النفقة والسكنى .

قال إسماعيل بن إسحاق : قال أبو حنيفة : المطلقة ثلاثا ينفق عليها زوجها ، وإن كانت غير حامل ، ورووا في ذلك حديثا ليس بقوي الإسناد ، عن عمر أنه قال : لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة ، لها السكنى والنفقة ، قال إسماعيل : والذي في كتاب ربنا أن لها النفقة إذا كانت حاملا ، ونحن نعلم أن عمر لا يقول : ندع كتاب ربنا ، إلا لما هو موجود في كتاب ربنا ، والذي وجدنا في كتاب ربنا النفقة لذوات الأحمال ، قال : ونحسب أن الحديث إنما هو لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لها السكنى ; لأن السكنى موجود في القرآن بقوله تعالى ( أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ) وزاد بعض أهل الكوفة في الحديث عن عمر : النفقة ، والحديث يدور على الأعمش بأسانيد مختلفة ، وكل رواية الأعمش على اختلافها في هذا الحديث فإنها تدور على إبراهيم ، وقد روى منصور ، وهو [ ص: 143 ] أصح رواية من الأعمش ، عن إبراهيم في المطلقة ثلاثا : لها السكنى والنفقة ، ولا يجبر على النفقة . هذا كله كلام إسماعيل ، وفيه ما فيه من دفع ظاهر قول عمر إلى دعوى لا يسيغ هو ولا غيره لأحد مثل ذلك في دفع نص ; إلا أنه لما كان قول عمر خلاف نص السنة كان دفعه بتأويل ضعيف خيرا من أن ينسبه إلى مخالفة السنة الثابتة ; على أنهم متفقون فيما رواه العدول أنه لا يرد نص بتأويل يدفعه جملة ، وذلك عندي في المسند دون رأي أحد ، والله أعلم .

وذكر عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن الشعبي ، عن فاطمة ابنة قيس قالت : طلقني زوجي ثلاثا فجئت النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألته فقال : لا نفقة لك ولا سكنى ، قال : فذكرت ذلك لإبراهيم فقال : قال عمر بن الخطاب : لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا ، لها النفقة والسكنى .

قال أبو عمر :

أما النفقة للمبتوتة ، ففيه نص ثابت عن النبي عليه السلام أنها لا نفقة لها ، وذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت قيس : ليس لك عليه نفقة من حديث مالك وغيره ، فلا معنى لما خالفه ، وفي قول الله عز وجل ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن ) دليل على أن لا نفقة لغير حامل ، فهذا هو المعتمد عليه في هذا الباب ، وهي النكتة التي عليها مداره من الكتاب والسنة .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن شاذان قال : حدثنا معلى قال : حدثنا ليث بن سعد قال : حدثنا عمران بن أبي أنس ، عن أبي سلمة قال : سألت فاطمة بنت قيس [ ص: 144 ] فأخبرتني أن زوجها المخزومي طلقها ، وأبى أن ينفق عليها فجاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا نفقة لك ، فانتقلي فاذهبي إلى ابن أم مكتوم فكوني عنده ، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده ، ففي هذا الحديث تصريح بأن لا نفقة لها ، وكذلك أحاديث فاطمة كلها لم يختلف في أنها لا نفقة لها ، وإنما اختلف في ذكر السكنى ، فمنهم من ذكرها ومنهم من لم يذكرها .

وأما قوله : وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك فهذا موضع اختلاف بين أهل العلم ، منهم من زعم أن المبتوتة لا سكنى لها ولا نفقة ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأمرها أن تعتد في بيت زوجها الذي كانت تسكنه ، وقال : لا نفقة لك ، وقالوا لو كان لها السكنى ما أمرها أن تخرج من بيت زوجها .

ورووا أيضا منصوصا في حديث فاطمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها : لا سكنى لك ولا نفقة ، وممن ذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم ، وبه قال أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو ثور ، وداود ، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ، وجابر بن عبد الله ، وعبد الله بن عباس .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا أحمد بن زهير قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا زكريا بن أبي زائدة ، عن عامر قال : حدثتني فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثا ، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمرها فاعتدت عند ابن عمها عمرو بن أم مكتوم .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا بكر بن حماد قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا هيثم ، عن سيار أبي [ ص: 145 ] الحكم ، عن الشعبي ، عن فاطمة بنت قيس : أنها أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل لها السكنى والنفقة ، فقيل له : إنه طلقها ثلاثا . فقال : لا سكنى ولا نفقة ، وأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم .

وحدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا محمد بن شاذان قال : حدثنا المعلى بن منصور قال : حدثنا أبو عوانة ، عن مطرف ، عن عامر قال : سألت فاطمة بنت قيس عن المرأة يطلقها زوجها ثلاثا ، فقالت : طلقني زوجي ثلاثا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة ، فقيل لعامر : إن عمر لم يصدقها فقال عامر : ألا تصدق امرأة فقيهة نزل بها هذا ؟ .

وحدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا محمد بن شاذان قال : حدثنا المعلى قال : حدثنا شريك ، عن أبي بكر بن صخر قال : دخلت على فاطمة . فذكر الحديث ، وفيه فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ليس لك نفقة ولا سكنى .

وروى مجالد بن سعيد ، وسعد بن زيد ، عن الشعبي ، عن فاطمة بنت قيس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها : إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة ، وفي حديث معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله أن فاطمة بنت قيس قالت حين أرسل إليها مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن ذلك ، فحدثته ، فأتى مروان فأخبره فقال مروان : لم أسمع بهذا الحديث إلا من امرأة ، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها ، فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان : بيني وبينكم القرآن قال الله ( لا تخرجوهن من بيوتهن ) حتى بلغت ( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) قالت : هذا لمن كانت له مراجعة ، فأي أمر يحدث بعد [ ص: 146 ] الثلاث ؟ فكيف تقولون لا نفقة لها ؟ أما إذا لم تكن حاملا فعلام تحبسونها ؟ فكيف تحبس امرأة بغير نفقة ؟

قال أبو عمر :

تقول فاطمة : إن كنتم تحبسونها على زوجها في بيته فأوجبوا لها النفقة ، وإن لم توجبوا لها النفقة فلا توجبوا عليها السكنى ، وفي قول مروان في هذا الحديث : سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها ، دليل على أن العمل كان عندهم بخلاف حديث فاطمة في السكنى ، وقولها : فعلام تحبسونها ؟ إنما كانت تخاطب بهذا كبار التابعين ، وهذا كله يدل على أن العمل كان عندهم بالمدينة من زمن عمر بخلاف حديث فاطمة في السكنى ، والله أعلم .

حدثنا أحمد بن قاسم ، وعبد الوارث بن سفيان قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال : حدثنا يزيد بن هارون قال : حدثنا عمرو بن ميمون بن مهران ، عن أبيه قال : جلست إلى سعيد بن المسيب فسألته ، فقال : إنك لتسأل سؤال رجل قد تبحر العلم قبل اليوم ; قال : قلت : إني بأرض أسأل بها . قال : فكيف وجدت ما أفتيت به مما يفتيك به غيري ممن سألت من العلماء ؟ قلت : وافقتهم إلا في فريضة واحدة . قال : وما هي ؟ قلت : سألتك عن المطلقة ثلاثا تعتد في بيت زوجها أم تنتقل إلى أهلها ؟ فقلت : تعتد في بيت زوجها ، وقد كان من أمر فاطمة بنت قيس ما قد علمت . فقال سعيد : تلك امرأة فتنت الناس ، وسأخبرك عن شأنها ; إنها لما طلقت استطالت على أحمائها وآذتهم بلسانها ، فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تنتقل إلى بيت ابن أم مكتوم قال : قلت : لئن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرها [ ص: 147 ] بذلك ، إن لنا في رسول الله لأسوة حسنة ، مع أنها أحرم الناس عليه ، ليس له عليها رجعة ، ولا بينهما ميراث .

قال أبو عمر :

هذا من أحسن ما يجري من الاحتجاج في هذا المعنى ، يقول : لو كان السكنى عليها واجبا ، لقصرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنعها من الاستطالة بلسانها بما شاء مما يردعها عن ذلك - والله أعلم - مع أنه ليست منه ولا هو منها .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أحمد بن زهير ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا جعفر بن برقان ، قال : أخبرنا ميمون بن مهران ، قال : قدمت المدينة فسألت عن أفقه أهلها ، فدفعت إلى سعيد بن المسيب فسألته ، وذكر معنى ما تقدم .

وأخبرنا عبد الوارث ، قال : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا محمد بن شاذان ، قال : حدثنا المعلى بن منصور ، قال : أخبرني أبو المليح ، عن ميمون ، قال : ذكرت أمر فاطمة ابنة قيس عند ابن المسيب ، فقال سعيد بن المسيب : تلك امرأة فتنت الناس ( أو النساء ) قلت : لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما فتنت الناس .

وروى جعفر بن محمد عن أبيه ، أن عليا قال في المبتوتة : لا نفقة لها ولا سكنى ، وابن جريج قال : أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله ، يقول : تعتد المبتوتة حيث شاءت ، وابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : تعتد المبتوتة حيث شاءت ، فهذا مذهب آخر .

[ ص: 148 ] وقال مالك ، والشافعي ، وأصحابهما ، والأوزاعي : المبتوتة لها السكنى واجب لها وعليها ، ولا نفقة لها ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد ، وسليمان بن يسار ، وروي ذلك ، عن ابن عمر ، وعائشة ، وعطاء وغيرهم .

ذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : لا نفقة للمبتوتة ; إلا أن تكون حاملا ، ولها السكنى . ومعمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر قال : لا تنتقل المبتوتة من بيت زوجها حتى يحل أجلها ، وقال إسماعيل بن إسحاق قال قوم : لا سكنى للمبتوتة ولا نفقة .

وذهبوا إلى الحديث الذي ذكر عن فاطمة بنت قيس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة ، وتأولوا قول الله عز وجل ( أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ) - أن ذلك إنما هو في المرأة التي تطلق واحدة أو اثنتين ، ويملك زوجها رجعتها قال : ولو كان ذلك كما تأولوا لكان أسكنوهن حيث سكنتم وأنفقوا عليهن ، ولم يستثن النفقة على الحامل خاصة لأن التي يملك زوجها رجعتها لها أحكام الزوجات في السكنى والنفقة ، لا فرق بينها وبين التي لم تطلق في ذلك ، فعلمنا أنه لما استثنى النفقة منهن لذوات الأحمال أنها ليست التي يملك زوجها رجعتها .

أما الشافعي فاحتج في سقوط نفقة المبتوتة بحديث مالك المذكور في هذا الباب ، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن فاطمة بنت قيس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها : ليس لك نفقة ، وأوجب عليها السكنى ، ثم نقلها عن موضعها لعلة . قال : [ ص: 149 ] الشافعي : وإنما أسكنها في بيت ابن أم مكتوم لأنها كان في لسانها ذرب .

قال أبو عمر :

اختلف العلماء في تأويل قول الله عز وجل في المطلقات ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) فقال قوم : الفاحشة هاهنا الزنا ، والخروج لإقامة الحد ، وممن قال ذلك : عطاء ، ومجاهد ، وعمرو بن دينار ، والشعبي ، وهذا فيمن وجب السكنى عليها ، ولم يجب السكنى باتفاق إلا على الرجعية .

وقال ابن مسعود ، وابن عباس : الفاحشة إذا بذت بلسانها ، وهو قول سعيد بن المسيب وغيره ، وقال قتادة : الفاحشة النشوز . قال : وفي حرف ابن مسعود : إلا أن تفحش ، وذكر عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، والثوري ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن إبراهيم التيمي ، عن ابن عباس في قوله ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) قال : إذا بذت بلسانها فهو الفاحشة ( له ) أن يخرجها .

قال أبو عمر :

فعلى هذا تأول بعض أهل المدينة خروج فاطمة عن بيتها ، وهو وجه حسن من التأويل ، وقال بعضهم : كانت فاطمة تسكن مع زوجها في موضع وحش مخوف ، فلهذا ما أذن لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الانتقال ، وقال بعضهم : كان ذلك من سوء خلق فاطمة .

[ ص: 150 ] حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا أبو ثابت المدني ، عن عبد الله بن وهب قال : أخبرني ابن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : دخلت على مروان بن الحكم فقلت : إن امرأة من أهلك طلقت فمررت عليها آنفا ، وهي تنتقل ، فعبت ذلك عليها ، فقالوا : أمرتنا فاطمة ابنة قيس ، وأخبرتنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تنتقل إلى ( بيت ) ابن أم مكتوم حين طلقها زوجها ، فقال مروان : أجل هي أمرتهم بذلك ، قال عروة : فقلت له : والله لقد عابت ذلك عائشة أشد العيب ، وقالت : إن فاطمة كانت في مكان وحش مخيف على ناحيتها ، فلذلك أرخص لها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .

وحدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا حفص بن غياث ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : قالت فاطمة ابنة قيس : يا رسول الله إني أخاف أن يقتحم علي ، فأمرها أن تحول .

وأخبرنا عبد الله بن محمد قال : أخبرنا محمد بن بكر قال : أخبرنا أبو داود قال : أخبرنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء ، عن أبيه ، عن سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن سليمان بن يسار في خروج فاطمة : إنما كان ذلك من سوء الخلق . قال : وحدثنا أحمد بن يونس قال : حدثنا زهير قال : حدثنا جعفر بن برقان قال : حدثنا ميمون بن مهران قال : قدمت المدينة فدفعت إلى سعيد بن المسيب ، فقلت : فاطمة ابنة قيس طلقت فخرجت من بيتها ، [ ص: 151 ] فقال سعيد بن المسيب : تلك امرأة فتنت الناس ، إنها كانت لسنة فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى .

وروى مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، وسليمان بن يسار أنه سمعهما يذكران أن سعيد بن العاصي طلق بنت عبد الرحمن بن الحكم ألبتة ، فانتقلها عبد الرحمن ، فأرسلت عائشة إلى مروان بن الحكم ، وهو أمير المدينة ، فقالت : اتق الله ، واردد المرأة إلى بيتها - الحديث . فهذا عمر وعائشة ، وابن عمر ينكرون على فاطمة أمر السكنى ، ويخالفونها في ذلك ، ومال إلى قولهم فقهاء التابعين بالمدينة ، وإليه ذهب مالك ، والشافعي وأصحابهما ; لكن من طريق الحجة وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح ، وأحج ; لأنه لو وجب السكنى عليها ، وكانت عبادة تعبدها الله بها لألزمها ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يخرجها عن بيت زوجها إلى بيت أم شريك ، ولا إلى بيت ابن أم مكتوم ، ( ولأنه ) أجمعوا أن المرأة التي تبذو على أحمائها بلسانها تؤدب ، وتقصر على السكنى في المنزل الذي طلقت فيه ، وتمنع من أذى الناس ، فدل ذلك على أن من اعتل بمثل هذه العلة في الانتقال اعتل بغير صحيح من النظر ، ولا متفق عليه من الخبر ، هذا ما يوجبه عندي التأمل لهذا الحديث مع صحته ، وبالله التوفيق .

وإذا ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة بنت قيس ، وقد طلقت طلاقا باتا - : لا سكنى لك ولا نفقة ، وإنما السكنى والنفقة لمن عليها رجعة ، فأي شيء يعارض به هذا ؟ ، هل يعارض إلا بمثله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي هو المبين عن الله مراده من كتابه ، ولا شيء عنه عليه السلام يدفع ذلك ، ومعلوم أنه أعلم بتأويل قول الله عز وجل أسكنوهن من حيث سكنتم من غيره - صلى الله عليه وسلم - ، وأما الصحابة فقد اختلفوا كما رأيت منهم من يقول : لها السكنى [ ص: 152 ] والنفقة ، - منهم : عمر ، وابن مسعود ، ومنهم من يقول لها السكنى ولا نفقة - منهم : ابن عمر ، وعائشة ، - ومنهم من يقول : لا سكنى لها ولا نفقة ، وممن قال ذلك علي ، وابن عباس ، وجابر ، وكذلك اختلاف فقهاء الأمصار على هذه الثلاثة الأقوال على ما ذكرنا وبينا ، والحمد لله .

وأما الشافعي ومالك فلا محالة أنه لم يثبت عندهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لفاطمة : لا سكنى لك ولا نفقة ، مع ما رأوا من معارضة العلماء الجلة لها في ذلك ، والله الموفق للصواب .

ذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، والثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة : أن رجلا طلق امرأته ثلاثا ، فأبت أن تجلس في بيتها ، فأتى ابن مسعود فقال : هي تريد أن تخرج إلى أهلها فقال : احبسها ولا تدعها ; فقال : إنها تأبى علي قال : فقيدها قال : إن لها إخوة غليظة رقابهم قال : فاستأد عليهم الأمير .

وفي هذا الحديث وجوب استتار المرأة إذا كانت ممن للعين فيها حظ عن عيون الرجال ، وفي ذلك تحريم للنظر إليهن ، وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ينظر إلى فاطمة هذه إذ جاءته في هذه القصة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث