الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 491 ] ذكر حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرضاعة وما يحرم بها ، وما لا يحرم ، وحكمه في القدر المحرم منها ، وحكمه في إرضاع الكبير هل له تأثير أم لا ؟

ثبت في " الصحيحين " : من حديث عائشة - رضي الله عنها - عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة ) .

وثبت فيهما : من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن ( النبي - صلى الله عليه وسلم - أريد على ابنة حمزة ، فقال : " إنها لا تحل لي ، إنها ابنة أخي من الرضاعة ، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم ) .

وثبت فيهما : أنه قال لعائشة - رضي الله عنها - : ( ائذني لأفلح أخي أبي القعيس ، فإنه عمك " وكانت امرأته أرضعت عائشة - رضي الله عنها - ) .

وبهذا أجاب ابن عباس لما سئل عن : رجل له جاريتان أرضعت إحداهما جارية والأخرى غلاما ، أيحل للغلام أن يتزوج الجارية ؟ قال : لا ، اللقاح واحد .

[ ص: 492 ] وثبت في " صحيح مسلم " عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( لا تحرم المصة والمصتان ) .

وفي رواية : ( لا تحرم الإملاجة والإملاجتان ) .

وفي لفظ له : ( أن رجلا قال : يا رسول الله ، هل تحرم الرضعة الواحدة ؟ قال : لا ) .

وثبت في " صحيحه " أيضا : عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : ( كان فيما نزل من القرآن : عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهن فيما يقرأ من القرآن ) .

وثبت في " الصحيحين " : من حديث عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنما الرضاعة من المجاعة ) .

وثبت في " جامع الترمذي " : من حديث أم سلمة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي ، وكان قبل الفطام ) " وقال الترمذي : حديث صحيح .

[ ص: 493 ] وفي " سنن الدارقطني " بإسناد صحيح ، عن ابن عباس يرفعه : ( لا رضاع إلا ما كان في الحولين ) .

وفي " سنن أبي داود " : من حديث ابن مسعود يرفعه : ( لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشر العظم ) .

وثبت في " صحيح مسلم " : عن عائشة - رضي الله عنها - قالت ( جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أرضعيه تحرمي عليه ) .

وفي رواية له عنها قالت : ( جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أرضعيه ، فقالت : وكيف أرضعه وهو رجل كبير ، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : قد علمت أنه كبير ) .

وفي لفظ لمسلم ( أن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت لعائشة - رضي الله عنها - : إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي ، فقالت عائشة - رضي الله عنها - : أما لك في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة ؟ إن امرأة أبي حذيفة قالت : يا رسول الله ، إن سالما يدخل علي وهو رجل ، وفي نفس أبي حذيفة منه شيء ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أرضعيه حتى يدخل عليك ) .

[ ص: 494 ] وساقه أبو داود في " سننه " سياقة تامة مطولة ، فرواه من حديث الزهري عن عروة عن عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما : أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس كان تبنى سالما ، وأنكحه ابنة أخيه هندا بنت الوليد بن عتبة وهو مولى لامرأة من الأنصار ، كما تبنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيدا ، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث ميراثه حتى أنزل الله تعالى في ذلك : ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ) [ الأحزاب : 5 ] فردوا إلى آبائهم ، فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخا في الدين ، ( فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري ، وهي امرأة أبي حذيفة ، فقالت : يا رسول الله ، إنا كنا نرى سالما ولدا وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ، ويراني فضلا ، وقد أنزل الله تعالى فيهم ما قد علمت ، فكيف ترى فيه ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أرضعيه " ) فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة ، فبذلك كانت عائشة - رضي الله عنها - تأمر بنات إخوتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة - رضي الله عنها - أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيرا خمس رضعات ، ثم يدخل عليها ، وأبت ذلك أم سلمة وسائر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة من الناس حتى يرضع في المهد ، وقلن لعائشة : والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي - صلى الله عليه وسلم - لسالم دون الناس .

فتضمنت هذه السنن الثابتة أحكاما عديدة ، بعضها متفق عليه بين الأمة ، وفي بعضها نزاع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث