الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير

جزء التالي صفحة
السابق

( إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ) أي قد مضت سنتنا في التناسب بين أنواع المخلوقات المتجانسة والمتشاكلة ، أن يكون الشياطين الذين هم شرار الجن أولياء لشرار الإنس ، [ ص: 331 ] وهم الكفار الذين لا يؤمنون بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله إيمان إذعان بحيث يهتدون بوحيه ويزكون أنفسهم بعبادته وآدابه حتى يبعد التناسب والتجانس بينهما . فهذا الجعل لا يدل على ما يدعيه الجبرية ، وإسناده إلى الله تعالى لا يقتضي أنه جعله خارجا عن نظام الأسباب والمسببات ونتائج الأعمال الاختيارية التي تسند إلى مكتسبيها باعتبار صدورها عنهم ، وإلى الخالق تعالى باعتبار خلقه وتقديره لذلك في نظام الكون وسننه ، وقد أسند هذه الولاية إلى مكتسبيها بمزاولة أسبابها في قوله الآتي قريبا : ( إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ) ( 30 ) فاكتساب الكفار لولاية الشياطين باستعدادهم لقبول وسوستهم وإغوائهم ، وعدم احتراسهم من الخواطر الباطلة أو الشريرة من لمتهم ، كاكتساب ضعفاء البنية للأمراض باستعدادهم لها ، وعدم احتراسهم من أسبابها ، كالقذارة وتناول الأطعمة والأشربة الفاسدة أو القابلة للفساد بما فيها من جراثيم تلك الأمراض - كما تقدم شرحه آنفا - فأولياء الشيطان هم أصحاب الوساوس والأوهام والخرافات والطغيان ، والكفر والفسوق والعصيان ، والمتولون لقرنائه من أهل الطاغوت والدجل والنفاق كما يؤخذ من عدة آيات . وقد كانوا في الجاهلية يعبدون الجن والشياطين ، لا بطاعتهم في وسوستهم فقط ، بل كان منهم من يستعيذ بهم كما يستعيذ المؤمنون بالله كما قال تعالى : ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ) ( 72 : 6 ) وكانوا يتقربون إليهم بما يظنون أنه يعطفهم عليهم فيمنع ضررهم أو يحملهم على نفعهم ، كما يتقرب إليهم الدجالون بما يظنون أنه يعطفهم عليهم فيمنع ضررهم أو يحملهم على نفعهم ، كما يتقرب إليهم الدجالون اليوم بالبخور والعزائم والاستغاثة ، وكل ذلك عبادة تدخل في قوله تعالى : ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ) ( 36 : 60 ، 61 ) وقد اشتهر أن بعض الدجالين يتقرب إلى الشياطين بكتابة شيء من القرآن وشده على عورته ، وهذا من أقبح أنواع الكفر وأسفلها ، فهل يليق بالمؤمن الذي يتولى الله ورسوله أن يلجأ إلى أحد من هؤلاء الدجالين في مصالحه يرجو منه نفعا أو دفع ضر .

وجملة القول : أن الله تعالى فضل الإنس على الجن وجعلهم أرقى منهم ، ولو كانوا يرون المكلفين منهم كالشياطين لتصرفوا فيهم كما يتصرفون بجنة الهوام وميكروبات الأمراض - وفاقا لقول الحبر ابن عباس رضي الله عنه أن خوفهم منا أشد من خوفنا منهم - والوسوسة منهم تكون على قدر استعدادنا لقبولها فذنبها علينا . وما يذكره الناس من ضررهم وصرعهم فأكثره كذب ودجل والنادر لا حكم له .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث