الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( فإذا كان من الغد رمى الجمار الثلاث بعد زوال الشمس كذلك ، وإن أراد أن يتعجل النفر إلى مكة نفر ، وإن أراد أن يقيم ( بمكة ) رمى الجمار الثلاث في اليوم الرابع بعد زوال الشمس ) لقوله تعالى : { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى } والأفضل أن يقيم لما روي { أن النبي عليه الصلاة والسلام صبر حتى رمى الجمار الثلاث في اليوم الرابع } . وله أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرابع [ ص: 499 ] فإذا طلع الفجر لم يكن له أن ينفر لدخول وقت الرمي ، وفيه خلاف الشافعي رحمه الله ( وإن ) ( قدم الرمي في هذا اليوم ) يعني اليوم الرابع ( قبل الزوال بعد طلوع الفجر ) ( جاز عند أبي حنيفة رحمه الله ) وهذا استحسان ، وقالا لا يجوز اعتبارا بسائر الأيام ، وإنما التفاوت في رخصة النفر ، فإذ لم يترخص التحق بها ، ومذهبه مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ولأنه لما ظهر أثر التخفيف في هذا اليوم في حق الترك فلأن يظهر في جوازه في الأوقات كلها أولى ، بخلاف اليوم الأول والثاني حيث لا يجوز الرمي فيهما إلا بعد الزوال في المشهور من الرواية ، لأنه لا يجوز تركه فيهما فبقي على أصل المروي . فأما يوم النحر فأول وقت الرمي من وقت طلوع الفجر . وقال الشافعي رحمه الله تعالى : أوله بعد نصف الليل [ ص: 500 ] لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا ليلا } . ولنا قوله عليه الصلاة والسلام { لا ترموا جمرة العقبة إلا مصبحين } ويروي { حتى تطلع الشمس } فيثبت أصل الوقت بالأول والأفضلية بالثاني . وتأويل ما روي الليلة الثانية والثالثة ، ولأن ليلة النحر وقت الوقوف والرمي يترتب عليه فيكون وقته بعده ضرورة . ثم عند أبي حنيفة رحمه الله يمتد هذا الوقت إلى غروب الشمس لقوله عليه الصلاة والسلام { إن أول نسكنا في هذا اليوم الرمي } ، جعل اليوم وقتا له وذهابه بغروب الشمس . وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يمتد إلى وقت الزوال ، والحجة عليه ما روينا . وإن أخر إلى الليل رماه ولا شيء عليه لحديث الدعاء . وإن أخر إلى الغد رماه لأنه وقت جنس الرمي ، وعليه دم عند أبي حنيفة رحمه الله لتأخيره عن وقته كما هو مذهبه .

التالي السابق


( قوله فإذا كان من الغد ) هو اليوم الثالث من أيام النحر وهو الملقب بيوم النفر الأول فإنه يجوز له أن ينفر فيه بعد الرمي واليوم الرابع آخر أيام التشريق يسمى يوم النفر الثاني ( قوله لما روي أنه عليه الصلاة والسلام إلخ ) وروى [ ص: 499 ] أبو داود من حديث ابن إسحاق يبلغ به عائشة رضي الله عنها قالت { أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يوم حين صلى الظهر . يعني يوم النحر ، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس } الحديث .

قال المنذري : حديث حسن ، رواه ابن حبان في صحيحه ( قوله وفيه خلاف الشافعي ) فإن عنده إذا غربت الشمس من اليوم الثالث ليس له أن ينفر حتى يرمي ، قال : لأن المنصوص عليه الخيار في اليوم وإنما يمتد اليوم إلى الغروب .

وقلنا : ليس الليل وقتا لرمي اليوم الرابع فيكون خياره في النفر باقيا فيه كما قبل الغروب من الثالث فإنه خير فيه في النفر لأنه لم يدخل وقت رمي الرابع وهذا ثابت في ليلته ( قوله اعتبارا بسائر الأيام ) أي باقي الأيام التي يرمي فيها الجمرات كلها وهما الثاني والثالث ( قوله ومذهبه ) أي مذهب أبي حنيفة رحمه الله ( مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ) أخرج البيهقي عنه : إذا انتفخ النهار من يوم النفر فقد حل الرمي والصدر . والانتفاخ الارتفاع ، وفي سنده طلحة بن عمرو ضعفه البيهقي ( قوله أولى ) مما يمنع لجواز أن يرخص في تركه ما لم يطلع الفجر ، فإذا طلع منع من تركه أصلا ولزمه أن يقيمه في وقته .

ولا شك أن المعتمد في تعيين الوقت للرمي في الأول من أول النهار وفيما بعده من بعد الزوال ليس إلا فعله عليه الصلاة والسلام وكذلك مع أنه غير معقول ، فلا يدخل وقته قبل الوقت الذي فعله فيه عليه الصلاة والسلام كما لا يفعل في غير ذلك المكان الذي رمى فيه عليه الصلاة والسلام ، وإنما رمى عليه الصلاة والسلام في الرابع بعد الزوال فلا يرمي قبله . وبهذا الوجه يندفع المذكور لأبي حنيفة لو قرر بطريق القياس على اليوم الأول لا إذا قرر بطريق الدلالة ، والله سبحانه وتعالى أعلم ( قوله بخلاف اليوم الأول ) أي من أيام التشريق لا الرمي ( والثاني ) منها فإنهما الثاني من أيام الرمي والثالث منه ( قوله في المشهور من الرواية ) احتراز عما عن أبي حنيفة رحمه الله قال : أحب إلي أن لا يرمي في اليوم [ ص: 500 ] الثاني والثالث حتى تزول الشمس ، فإن رمى قبل ذلك أجزأه وحمل المروي من قوله عليه الصلاة والسلام على اختيار الأفضل .

وجه الظاهر ما قدمناه من وجوب اتباع المنقول لعدم المعقولية ولم يظهر أثر تخفيف فيها بتجويز الترك لينفتح باب التخفيف بالتقديم ، وهذه الزيادة يحتاج إليها أبو حنيفة وحده ( قوله لما روي { أن النبي عليه الصلاة والسلام رخص للرعاء أن يرموا ليلا } ) أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم . فذكره .

ورواه أيضا في مصنفه عن عطاء مرسلا ، ورواه الدارقطني بسند ضعيف وزاد فيه { وأية ساعة شاءوا من النهار } وحمله المصنف على الليلة الثانية والثالثة لما عرف أن وقت رمي كل يوم إذا دخل من النهار امتد إلى آخر الليلة التي تتلو ذلك النهار فيحمل على ذلك ، فالليالي في الرمي تابعة للأيام السابقة لا اللاحقة ، بدليل ما في السنن الأربعة عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم ضعفاء أهله بغلس ويأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس } وما روى البزار من حديث الفضل بن العباس رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ضعفة بني هاشم أن يرتحلوا من جمع بليل ويقول : أبني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس } وقال الطحاوي : حدثنا ابن أبي داود قال : حدثنا المقدمي .

حدثنا فضيل بن سليمان ، حدثني موسى بن عقبة ، أخبرنا كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر نساءه وثقله صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد ولا يرموا الجمرة إلا مصبحين } حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا حجاج ، حدثنا حماد ، حدثنا الحجاج عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في الثقل وقال : لا ترموا الجمار حتى تصبحوا } فأثبتنا الجواز بهذين والفضيلة بما قبله .

وفي النهاية نقلا من مبسوط شيخ الإسلام أن ما بعد طلوع الفجر من يوم النحر وقت الجواز مع الإساءة ، وما بعد طلوع [ ص: 501 ] الشمس إلى الزوال وقت مسنون ، وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة ، والليل وقت الجواز مع الإساءة ا هـ . ولا بد من كون محمل ثبوت الإساءة عدم العذر حتى لا يكون رمي الضعفة قبل الشمس ورمي الرعاء ليلا يلزمهم الإساءة ، وكيف بذلك بعد الترخيص ، ويثبت وصف القضاء في الرمي من غروب الشمس عند أبي حنيفة إلا أنه لا شيء فيه سوى ثبوت الإساءة إن لم يكن لعذر




الخدمات العلمية