الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث مالك عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري

1516 [ ص: 26 ] مالك ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري ، أن أمه أرادت أن توصي ثم أخرت ذلك إلى أن تصبح فهلكت ، وقد كانت همت بأن تعتق ؛ قال : عبد الرحمن فقلت للقاسم بن محمد : أينفعها أن أعتق عنها ؟ فقال : القاسم بن محمد : إن سعد بن عبادة قال : لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن أمي هلكت ، فهل ينفعها أن أعتق عنها ؟ فقال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نعم .

التالي السابق


قال أبو عمر : طائفة تقول في هذا الحديث عن مالك : نعم أعتق عنها ، منهم : ابن أبي أويس ، ورواية يحيى قائمة المعنى صحيحة هذا حديث منقطع ، لأن القاسم لم يلق سعد بن عبادة ، ولكن قصة سعد بن عبادة وحديثه في ذلك قد روي من وجوه كثيرة متصلة ومنقطعة صحاح كلها ، وهو حديث مشهور عند أهل العلم من حديث سعد بن عبادة وغيره ، إلا أن الرواية في ذلك مختلفة المعاني ؛ فمنها : الصدقة عن الميت ، ومنها : العتق عن الميت ، ومنها : الصيام عن الميت ، ومنها : قضاء النذر مجملا ؛ فأما الصدقة ، فمن حديث مالك ، عن سعيد بن عمر بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة ، عن أبيه ، عن جده ، أن سعد بن عبادة توفيت أمه - وهو غائب ، فلما قدم سعد ، قال : يا رسول الله ، أينفعها أن أتصدق عنها ؟ فقال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعم . وسنذكر هذا الحديث في باب سعيد بن عمرو من كتابنا هذا - إن شاء الله وعند مالك أيضا في هذا حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، مرفوعا في الصدقة عن الميت ، وأكثر الأحاديث في قصة سعيد هذه عن سعد وغيره إنما هي في الصدقة [ ص: 27 ] وأما العتق ، فلا يكاد يوجد إلا من حديث مالك ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة - هذا وأما الصيام عن الميت ، فقد روي أيضا من وجوه مختلفة وأما النذر ، فمن حديث ابن شهاب ، عن عبيد الله ، عن عباس ، أن سعد بن عبادة سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نذر كان على أمه ، فتوفيت قبل أن تقضيه ، فقال : اقضه عنها فأما الصدقة عن الميت - فمجتمع على جوازها لا خلاف بين العلماء فيها ، وكذلك العتق عن الميت جائز بإجماع أيضا ، إلا أن العلماء اختلفوا في الولاء : فذهب مالك وأصحابه إلى أن الولاء للمعتق عنه . وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الولاء للمعتق على كل حال ، وذهب الكوفيون إلى أن العتق إن كان بأمر المعتق عنه ، فالولاء له ؛ وإن كان بغير أمره ، فالولاء للمعتق ؛ وقد ذكرنا هذه المسألة ووجوهها في باب ربيعة من كتابنا هذا وأما الصيام عن الميت ، فمختلف فيه ، فجماعة أهل العلم على أنه لا يصوم أحد عن وليه إذا مات - وعليه صيام من رمضان ، ولكنه يطعم عنه . قال أكثرهم : إن شاء ، وكذلك جمهورهم أيضا على أنه لا يصوم أحد عن أحد لا في نذر ولا في غير نذر ؛ وممن ذهب إلى ذلك : مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة وأصحابه ، والثوري ؛ ومن أهل العلم من رأى أن يصوم ولي الميت عنه في النذر دون صيام رمضان ، منهم : إسحاق بن راهويه - وهو الصحيح عن ابن عباس أنه قال : ما كان من شهر رمضان يطعم عنه ، وما كان من صيام النذر فإنه يقضي عنه وقد روي عن أحمد بن حنبل مثل قول ابن عباس سواء ، ومنهم من رأى أن يصوم عنه في كل صيام عليه على عموم ما روي عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من مات وعليه صيام ، صام عنه وليه . منهم : أحمد بن حنبل على [ ص: 28 ] اختلاف عنه ولم يختلف عن أبي ثور في جواز ذلك في الوجهين جميعا ؛ وقد ذكرنا الحكم في ذلك عن علماء الأمصار ، وذكرنا ما جاء في ذلك من الآثار في باب ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة من كتابنا عند ذكر حديث مالك عن ابن شهاب ، عن عبيد الله ، عن ابن عباس ، أن سعد بن عبادة سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه ؟ فقال : اقضه عنها . وذكرنا هناك حكم النذر المجمل وكفارته ، وما في ذلك للعلماء - والحمد لله وأما حديث سعد بن عبادة في هذا الباب ، فأكثر ما روي فيه الصدقة من حديث القاسم بن محمد وغيره : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد ، أن أباه أخبره قال : حدثنا عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا بقي بن مخلد ، قال : حدثنا ابن كاسب ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، أن سعدا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا نبي الله ، إن أمي ماتت ولم توص ، أفينفعها أن أتصدق عنها من مالها ؟ قال : نعم . قال : وحدثنا ابن كاسب ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث أن بكيرا حدثه عن سليمان بن يسار ، أن سعد بن عبادة قال : للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن أمي توفيت - ولم توص ، فهل تنالها صدقتي إن تصدقت عنها ؟ قال : نعم . قال : وحدثنا ابن كاسب ، قال : حدثنا هارون ، عن حميد الطويل ، عن الحسن ، قال : قال سعد الأنصاري : يا رسول الله ، إن أم سعد كانت تحب الصدقة ، أفينفعها أن أتصدق عنها بعدها ؟ قال : نعم ، وعليك بالماء قال : وحدثني يحيى بن عبد الحميد ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن عمارة بن غزية ، عن حميد بن أبي الصعبة ، عن سعد بن عبادة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يسقي عنها الماء [ ص: 29 ] قال : وحدثنا يحيى بن عبد الحميد ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل ، عن سعيد بن سعد بن عبادة ، عن أبيه أن أمه توفيت - وهو غائب ، فقال : للنبي - صلى الله عليه وسلم - أينفعها أن أتصدق عنها ؟ قال : نعم ووجدت في أصل سماع أبي بخطه - رحمه الله - أن محمد بن أحمد بن قاسم بن هلال حدثهم ، قال حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي ، قال حدثنا نصر بن مرزوق ، قال حدثنا أسد بن موسى ، قال حدثنا الربيع بن صبيح ، عن الحسن ، عن سعد بن عبادة ، قال : قلت : يا رسول الله ، والدتي كانت تتصدق من مالي ، وتعتق من مالي في حياتها - فقد ماتت ؛ أرأيت إن تصدقت عنها ، أو أعتقت عنها ، أترجو لها شيئا ؟ قال : نعم . قال : يا رسول الله دلني على صدقة ، قال : اسق الماء . قال : فما زالت جرار سعد بالمدينة بعد ومن أحسن ما يروى في العتق عن الميت : ما حدثناه عبد الله بن محمد ، قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي ، قال حدثنا أحمد بن شعيب ، قال أخبرنا الربيع بن سليمان - صاحب الشافعي ، قال حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال حدثنا عبد الله بن سالم ، قال حدثني إبراهيم بن أبي عبلة ، قال : كنت جالسا بأريحاء ، فمر بي واثلة بن الأسقع متوكئا على عبد الله بن الديلمي ، فأجلسه ثم جاء إلي فقال : عجب ما حدثني الشيخ - يعني واثلة ! قلت : ما حدثك ؟ قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ، فأتى نفر من بني سليم فقالوا : يا رسول الله ، إن صاحبنا قد أوجب ، فقال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اعتقوا عنه رقبة ، يعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث