الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائتين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر غضب المعتصم على الأفشين وحبسه

وفي هذه السنة غضب المعتصم على الأفشين وحبسه .

وكان سبب ذلك أن الأفشين كان أيام محاربة بابك لا تأتيه هدية من أهل أرمينية وأذربيجان إلا وجه بها إلى أشروسنة ، فيجتاز ذلك بعبد الله بن طاهر ، فيكتب عبد الله إلى المعتصم يعرفه الخبر ، فكتب إليه المعتصم يأمره بإعلامه بجميع ما يوجه به الأفشين ، ففعل عبد الله ذلك ، فكان الأفشين كلما اجتمع عنده مال يجعله على أوساط أصحابه في الهمايين ( ويسيره إلى أشروسنة ) .

[ ص: 64 ] فأنفذ مرة مالا كثيرا ، فبلغ أصحابه إلى نيسابور ، فوجه عبد الله بن طاهر ، ففتشهم ، فوجد المال في أوساطهم ، فقال : من أين لكم هذا المال ؟ فقالوا : للأفشين ، فقال : كذبتم ، لو أراد أخي الأفشين أن يرسل مثل هذه الهدايا والأموال لكتب يعلمني ذلك الأمر ( بتسييره ) ، وإنما أنتم لصوص .

وأخذ عبد الله المال فأعطاه الجند ، وكتب إلى الأفشين يذكر له ما قال القوم ، وقال : أنا أنكر أن تكون وجهت بمثل هذا المال ولم تعلمني ، وقد أعطيته الجند عوض المال الذي يوجهه أمير المؤمنين ، فإن كان المال لك كما زعموا ، فإذا جاء المال من عند أمير المؤمنين رددته عليك ، وإن يكن غير هذا ، فأمير المؤمنين أحق بهذا المال ، وإنما دفعته إلى الجند لأني أريد [ أن ] أوجههم إلى بلاد الترك .

فكتب إليه الأفشين : إن مالي ومال أمير المؤمنين واحد ، وسأله إطلاق القوم ، فأطلقهم ، فكان ذلك سبب الوحشة بينهما .

وجعل عبد الله يتتبعه ، وكان الأفشين يسمع من المعتصم ما يدل على أنه يريد عزل عبد الله عن خراسان ، فطمع في ولايتها ، فكاتب مازيار يحسن له الخلاف ظنا منه أنه إذا خالف عزل المعتصم عبد الله عن خراسان واستعمله عليها ، وأمره بمحاربة مازيار ، فكان من أمر مازيار ، ما تقدم ، وكان من عصيان منكجور ما ذكرناه أيضا ، فتحقق المعتصم من أمر الأفشين ، فتغير عليه .

وأحس الأفشين بذلك ، فلم يدر ما يصنع ، فعزم على أن يهيئ أطوافا في قصره ، ويحتال في يوم شغل المعتصم وقواده أن يأخذ طريق الموصل ، ويعبر الزاب على تلك الأطواف ، ويصير إلى أرمينية ، وكانت ولاية أرمينية إليه ، ثم يصير إلى بلاد الخزر ، ثم يدور في بلاد الترك ، ويرجع إلى أشروسنة ، أو يستميل الخزر على المسلمين ، فلم يمكنه ذلك ، فعزم على أن يعمل طعاما كثيرا ، ويدعو المعتصم والقواد ، ويعمل فيه سما ، فإن لم يجئ المعتصم عمل ذلك بالقواد مثل أشناس وإيتاخ وغيرهما ، يوم تشاغل المعتصم ، فإذا خرجوا من عنده سار في أول الليل ، فكان قواده ينوبون في دار المعتصم ، كما يفعل القواد ، فكان أواجن الأشروسني [ ص: 65 ] قد جرى بينه وبين من قد اطلع على أمر الأفشين حديث ، فقال أواجن : لا يتم هذا الأمر ، فذهب ذلك الرجل إلى الأفشين فأعلمه ، فتهدد أواجن ، فسمعه بعض من يميل إلى أواجن من خدم الأفشين ، فأتاه ذلك الخادم فأعلمه الحال بعد عوده من النوبة ، فخاف على نفسه ، فخرج إلى دار المعتصم ، فقال لإيتاخ : إن لأمير المؤمنين عندي نصيحة ، قال : قد نام أمير المؤمنين ، فقال أواجن : لا يمكنني أن أصبر إلى غد ، فدق إيتاخ الباب على بعض من يخبر المعتصم بذلك ، فقال المعتصم : قل له ينصرف الليلة إلى غد ! فقال : إن انصرفت ذهبت نفسي ، فأرسل المعتصم إلى إيتاخ : بيته عندك الليلة .

فبيته عنده ، فلما أصبح بكر به على باب المعتصم ، فأخبره بجميع ما كان عنده ، فأمر المعتصم بإحضار الأفشين ، فجاء في سواده ، فأمر بأخذ سواده وحبسه في الجوسق ، وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر في الاحتيال على الحسين بن الأفشين ، وكان الحسين قد كثرت كتبه إلى عبد الله ، فشكا من نوح بن الأسد الأمير بما وراء النهر ، وتحامله على ضياعه ، وناحيته ، فكتب عبد الله إلى نوح يعلمه ما كتب به المعتصم في أمر الحسين ، ويأمره أن يجمع أصحابه ويتأهب ، فإذا قدم عليه الحسين بكتاب ولايته فخذه ، واستوثق منه ، واحمله إلي .

وكتب عبد الله إلى الحسين يعلمه أنه قد عزل نوحا ، وأنه قد ولاه ناحيته ، ووجه إليه بكتاب عزل نوح وولايته ، فخرج ابن الأفشين في قلة من أصحابه وسلاحه ، حتى ورد على نوح ، وهو يظن أنه والي الناحية ، فأخذه نوح وقيده ، ووجهه إلى عبد الله بن طاهر ، فوجه به عبد الله إلى المعتصم ، فأمر المعتصم بإحضار الأفشين ليقابل على ما قيل عنه ، فأحضر عند محمد بن عبد الملك الزيات ، وزير المعتصم ، وعنده ابن أبي دؤاد ، وإسحاق بن إبراهيم ، وغيرهما من الأعيان ، وكان المناظر له ابن الزيات ، فأمر بإحضار مازيار ، والموبذ ، والمرزبان بن بركش ، وهو أحد ملوك السغد ، ورجلين من أهل السغد ، فدعا محمد بن عبد الملك بالرجلين ، وعليهما ثياب رثة ، فقال لهما : ما شأنكما ؟ فكشفا عن ظهورهما ، وهي عارية من اللحم ، فقال للأفشين : أتعرف هؤلاء ؟ قال : نعم ، هذا مؤذن ، وهذا إمام بنيا مسجدا بأشروسنة ، فضربت كل واحد منهما ألف سوط ، وذلك أن بيني وبين ملك السغد عهدا وشرطا أن أترك كل قوم على دينهم ، فوثب هذان على [ ص: 66 ] بيت كان فيه أصنام أهل أشروسنة ، فأخرجا الأصنام وجعلاه مسجدا ، فضربتهما على هذا .

قال ابن الزيات : ما كتاب عندك قد حليته بالذهب والجوهر فيه الكفر بالله تعالى ؟

قال : كتاب ورثته عن أبي فيه من آداب العجم وكفرهم ، فكنت آخذ الآداب وأترك الكفر ، ووجدته محلى ، فلم أحتج إلى أخذ الحلية منه ، وما ظننت أن هذا يخرج من الإسلام .

ثم تقدم الموبذ فقال : إن هذا يأكل لحم المخنوقة ، ويحملني على أكلها ، ويزعم أنها أرطب من المذبوحة . وقال لي يوما : قد دخلت لهؤلاء القوم في كل شيء أكرهه ، حتى أكلت الزيت ، وركبت الجمل ، والبغل ، غير أني إلى هذه الغاية لم تسقط عني شعرة ، يعني أخذ شعر العانة ، ولم أختتن .

فقال الأفشين : أخبروني عن هذا أثقة هو في دينه ؟ وكان مجوسيا ، وإنما أسلم أيام المتوكل ، فقالوا : لا ! فقال : فما معنى قبول شهادته ؟ ثم قال للموبذ : أليس كنت أدخلك علي وأطلعك على سري ؟ قال : بلى ! قال : لست بالثقة في دينك ، ولا بالكريم في عهدك ، إذ أفشيت سرا أسررته إليك .

ثم تقدم المرزبان فقال : كيف يكتب إليك أهل بلدك ؟ قال : لا أقول ! قال : أليس يكتبون بكذا بالأشروسنية ؟ قال : بلى ! قال : أليس تفسيره بالعربية : إلى إله الآلهة من عبده فلان بن فلان ؟ قال : بلى ! قال محمد بن عبد الملك الزيات : المسلمون لا يحتملون هذا ، فما أبقيت لفرعون ؟ ( قال : هذه كانت ) عادتهم لأبي وجدي ولي قبل أن أدخل في الإسلام ، فكرهت أن أضع نفسي دونهم فتفسد علي طاعتهم .

ثم تقدم مازيار فقالوا للأفشين : هل كاتبت هذا ؟ قال : لا ! قالوا لمازيار : هل كتب إليك ؟ قال : نعم ، كتب أخوه إلى أخي قوهيار أنه لم يكن ينصر هذا الدين ( الأبيض ) غيري وغيرك ، فأما بابك فإنه لحمقه قتل نفسه ، ولقد جهدت أن أصرف عنه الموت ، فأبى [ ص: 67 ] لحمقه إلا أن أوقعه ، فإن خالفت لم يكن للقوم من يرمونك به غيري ، ومعي الفرسان ، وأهل النجدة ، فإن وجهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة : العرب ، والمغاربة ، والأتراك ، والعربي بمنزلة الكلب اطرح له كسرة واضرب رأسه ، والمغاربة أكلة رأس ، والأتراك ، فإنما هي ساعة حتى تنفد سهامهم ، ثم تجول الخيل عليهم جولة فتأتي على آخرهم ، ويعود الدين إلى ما لم يزل عليه أيام العجم .

فقال الأفشين : هذا يدعي أن أخي كتب إلى أخيه : لا يجب علي ، ولو كتبت هذا الكتاب إليه لأستميله إلي ويثق بي ، ثم آخذه بقفاه ، وأحظى به عند الخليفة ، كما حظي عبد الله بن طاهر ، فزجره ابن أبي دؤاد ، فقال الأفشين : يا أبا عبد الله أنت ترفع طيلسانك فلا تضعه حتى تقتل جماعة .

فقال له ابن أبي دؤاد : أمطهر أنت ؟ قال : لا ! قال : فما منعك من ذلك وبه تمام الإسلام ، والطهور من النجاسة ؟ فقال : أوليس في الإسلام استعمال التقية ؟ قال : بلى ! قال : خفت أن أقطع ذلك العضو من جسدي فأموت ، فقال : أنت تطعن بالرمح ، وتضرب بالسيف ، فلا يمنعك ذلك أن يكون ذلك في الحرب ، وتجزع من قطع قلفة ؟ قال : تلك ضرورة تصيبني فأصبر عليها ، وهذا شيء أستجلبه .

فقال ابن أبي دؤاد : قد بان لكم أمره ، فقال لبغا الكبير : عليك به ! فضرب بيده على منطقته ، فجذبها ، وأخذ بمجامع القباء عند عنقه ، ورده إلى محبسه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث