الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

قوله تعالى: فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون

وفي "صحيح مسلم " عن أبي هريرة وأبي سعيد - كلاهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن لأهل ذكر الله أربعا: تنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتحف بهم الملائكة، ويذكرهم الرب فيمن عنده" .

وقد قال الله عز وجل: فاذكروني أذكركم وذكر الله لعبده: هو ثناؤه عليه في الملإ الأعلى بين الملائكة ومباهاتهم به وتنويهه بذكره . قال الربيع بن أنس : إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره .

وقال عز وجل: يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور [ ص: 129 ] وصلاة الله عز وجل على العبد: هو ثناؤه عليه بين ملائكته . وتنويهه بذكره، كذا قال أبو العالية ، ذكره البخاري في "صحيحه " . وقال رجل لأبي أمامة: رأيت في المنام كأن الملائكة تصلي عليك كلما دخلت، وكلما خرجت، وكلما قمت، وكلما جلست، فقال أبو أمامة : وأنتم لو شئتم صلت عليكم الملائكة، ثم قرأ: يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته

قال تعالى: واشكروا لي ولا تكفرون ، وقال: واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون

والشكر بالقلب واللسان، والعمل بالجوارح; فالشكر بالقلب: الاعتراف بالنعم للمنعم، وأنها منه وبفضله . وجاء من حديث عائشة مرفوعا: "ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها" .

ومن الشكر بالقلب: محبة الله على نعمه، ومنه حديث ابن عباس المرفوع: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه " .

قال بعضهم: إذا كانت القلوب جبلت على حب من أحسن إليها فواعجبا لمن لا يرى محسنا إلا الله! كيف لا يميل بكليته إليه! وقال بعضهم: [ ص: 130 ]

إذا أنت لم تزدد على كل نعمة . لمؤتيكها حبا فلست بشاكر     إذا أنت لم تؤثر رضا الله وحده .
على كل ما تهوى فلست بصابر



والشكر باللسان: الثناء بالنعم وذكرها وتعدادها، وإظهارها، قال الله تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث وفي حديث النعمان بن بشير المرفوع: "التحدث بالنعم شكر وتركها كفر" . وقال عمر بن عبد العزيز : "ذكر النعم شكرها" . وكان يقول في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمتك كفرا، وأن أكفرها بعد معرفتها أو أنساها فلا أثني بها" . قال فضيل: "كان يقال: من شكر النعمة أن تحدث بها" وجلس ليلة هو وابن عيينة يتذاكرون النعم إلى الصباح .

والشكر بالجوارح: أن لا يستعان بالنعم إلا على طاعة الله عز وجل، وأن يحذر من استعمالها في شيء من معاصيه; قال تعالى: اعملوا آل داود شكرا قال بعض السلف: "لما قيل لهم هذا; لم تأت عليهم ساعة إلا وفيهم مصل . وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم حتى تتورم قدماه . وقال: "أفلا أكون عبدا شكورا" .

ومر ابن المنكدر بشاب يقاوم امرأة، فقال: "يا بني ما هذا جزاء نعمة الله عليك " .

العجب ممن يعلم أن كل ما به من النعم من الله ثم لا يستحيي من الاستعانة بها على ارتكاب ما نهاه .

[ ص: 131 ]

هب البعث لم تأتنا رسله .     وجاحمة الجحيم لم تضرم
أليس من الواجب المستحق .     حياء العباد من المنعم
وحافظ عليها بشكر الإله .     فشكر الإله يزيل النقم



دخل خالد بن صفوان على عمر بن عبد العزيز ، فقال: يا أمير المؤمنين . إن الله لم يرض أن يكون أحد فوقك، فلا ترض أن يكون أحد أولى بالشكر له منك . فبكى عمر حتى غشي عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث