الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة خمسين ومائتين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر ظهور الحسن بن زيد العلوي

وفيها ظهر الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، عليه السلام ، بطبرستان .

وكان سبب ظهوره أن محمد بن عبد الله بن طاهر لما ظفر بيحيى بن عمر أقطعه المستعين من ضواحي السلطان بطبرستان قطائع منها قطيعة ( قرب ثغر الديلم ، وهما : كلار وشالوس ، وكان بحذائهما أرض يحتطب منها أهل تلك الناحية ، وترعى فيها مواشيهم ، ليس لأحد عليها ملك ، إنما هي موات ، وهي ذات غياض ، وأشجار ، وكلأ ، فوجه محمد بن عبد الله نائبه لحيازة ما أقطع ، واسمه جابر بن هارون النصراني ، وعامل طبرستان يومئذ سليمان بن عبد الله بن طاهر بن عبد الله بن طاهر خليفة محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر ، وكان الغالب على أمر سليمان محمد بن أوس البلخي ، وقد فرق محمد هذا أولاده في مدن طبرستان ، وهم أحداث ، سفهاء ، فتأذى بهم الرعية وشكوا منهم ، ومن أبيهم ، ومن سليمان سوء السيرة .

ثم إن محمد بن أوس دخل بلاد الديلم ، وهم مسالمون لأهل طبرستان ، ( فسبى [ ص: 202 ] منهم وقتل ، فساء ذلك أهل طبرستان ) ، فلما قدم جابر بن هارون لحيازة ما أقطعه محمد بن عبد الله ، عمد فحاز فيه ما اتصل به من أرض موات يرتفق بها الناس ، وفيها حاز كلار وشالوس .

وكان في تلك الناحية يومئذ أخوان لهما بأس ونجدة يضبطانها ممن رامها من الديلم ، مذكوران بإطعام الطعام وبالإفضال ، يقال لأحدهما محمد ، وللآخر جعفر ، وهما ابنا رستم ، فأنكرا ما فعل جابر من حيازة الموات ، وكانا مطاعين في تلك الناحية ، فاستنهضا من أطاعهما لمنع جابر من حيازة ذلك الموات ، فخافهما جابر ، فهرب منهما ، فلحق بسليمان بن عبد الله ، وخاف محمد وجعفر ومن معهما من عامل طبرستان ، فراسلوا جيرانهم من الديلم يذكرونهم العهد الذي بينهم ويعتذرون فيما فعله محمد بن أوس بهم من السبي والقتل ، فاتفقوا على المعاونة والمساعدة على حرب سليمان بن عبد الله وغيره .

ثم أرسل ابنا رستم [ ومن وافقهما ] إلى رجل من الطالبيين اسمه محمد بن إبراهيم ، كان بطبرستان ، يدعونه إلى البيعة له ، فامتنع عليهم ، وقال : لكني أدلكم على رجل منا هو أقوم بهذا الأمر مني ، فدلهم على الحسن بن زيد ، وهو بالري ، فوجهوا إليه ، عن رسالة محمد بن إبراهيم ، يدعونه إلى طبرستان ، فشخص إليها ، فأتاهم وقد صارت كلمة الديلم وأهل كلار ، وشالوس ، والرويان على بيعته ، فبايعوه كلهم ، وطردوا عمال ابن أوس عنهم ، فلحقوا بسليمان بن عبد الله ، وانضم إلى الحسن بن زيد أيضا جبال طبرستان كأصمغان ، وقادوسيان ، وليث بن قتاد ، وجماعة من أهل السفح .

ثم تقدم الحسن ومن معه نحو مدينة آمل ، وهي أقرب المدن إليهم ، وأقبل ابن أوس من سارية ليدفعه عنها ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وخالف الحسن بن زيد في جماعة إلى آمل فدخلها .

فلما سمع ابن أوس الخبر ، وهو مشغول بحرب من يقاتله من أصحاب الحسن بن زيد ، لم يكن له همة إلا النجاء بنفسه ، فهرب ، ولحق بسليمان إلى سارية ، فلما استولى الحسن على آمل كثر جمعه ، وأتاه كل طالب نهب وفتنة ، وأقام بآمل أياما ، ثم سار نحو [ ص: 203 ] سارية لحرب سليمان بن عبد الله ، فخرج إليه سليمان ، فالتقوا خارج مدينة سارية ، ونشبت الحرب بينهم ، فسار بعض قواد الحسن نحو سارية فدخلها ، فلما سمع سليمان الخبر انهزم هو ومن معه ، وترك أهله وعياله وثقله وكل ما له بسارية ، واستولى الحسن وأصحابه على ذلك جميعه ، فأما الحريم والأولاد فجعلهم الحسن في مركب وسيرهم إلى سليمان بجرجان ، وأما المال فكان قد نهب وتفرق .

وقيل : إن سليمان انهزم اختيارا لأن الطاهرية كلها كانت تتشيع ، فلما أقبل الحسن بن زيد إلى طبرستان تأثم سليمان من قتاله لشدته في التشيع ، وقال .


نبئت خيل ابن زيد أقبلت خببا تريدنا لتحسينا الأمرينا     يا قوم إن كانت الأنباء صادقة
فالويل لي ولجميع الطاهرينا     أما أنا فإذا اصطفت كتائبنا
أكون من بينهم رأس الموالينا     فالعذر عند رسول الله منبسط
إذا احتسبت دماء الفاطميينا

فلما التقوا انهزم سليمان ، فلما اجتمعت طبرستان للحسن وجه إلى الري جندا مع رجل من أهله ، يقال له الحسن بن زيد أيضا ، فملكها ، وطرد عنها عامل الطاهرية ، فاستخلف بها رجلا من العلويين يقال له محمد بن جعفر ، وانصرف عنها .

وورد الخبر على المستعين ، ومدبر أمره وصيف ، وكاتبه أحمد بن صالح بن شيرزاد ، فوجه إسماعيل بن فراشة في جند إلى همذان ، وأمره بالمقام بها ليمنع خيل الحسن عنها ، وأما ما عداها فإلى محمد بن عبد الله بن طاهر وعليه الذب عنه .

فلما استقر محمد بن جعفر الطالبي بالري ظهرت منه أمور كرهها أهل الري ، ووجه محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر قائدا من عنده يقال له : محمد بن ميكال ( في جمع من الجند إلى الري ، وهو أخو الشاه بن ميكال ) ، فالتقى هو ومحمد بن جعفر الطالبي خارج الري ، فأسر محمد بن جعفر ، وانهزم جيشه ، ودخل ابن ميكال الري ، فأقام بها ، فوجه الحسن بن زيد عسكرا عليه قائد يقال له واجن ، فلما صار إلى الري خرج إليه محمد بن ميكال ، فالتقوا ، فاقتتلوا ، فانهزم ابن ميكال ، والتجأ إلى الري معتصما بها ، [ ص: 204 ] فاتبعه واجن وأصحابه حتى قتلوه ، وصارت الري إلى أصحاب الحسن بن زيد .

فلما كان هذه السنة يوم عرفة ظهر بالري أحمد بن عيسى بن حسين الصغير ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ( وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ) ، فصلى أحمد بن عيسى بأهل الري صلاة العيد ، ودعا للرضى من آل محمد ، فحاربه محمد بن علي بن طاهر ، فانهزم محمد بن علي وسار إلى قزوين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث