الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أراد التمتع ولم يسق هديا

. ( قال ) وإذا كان يوم التروية ، وهو بمكة فأراد الرواح إلى منى لبس الإزار والرداء ولبى بالحج إن شاء من المسجد أو من الأبطح أو من أي موضع من الحرم شاء ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم { أمر أصحابه الذين فسخوا إحرام الحج بالعمرة أن يحرموا بالحج يوم التروية من المسجد الحرام } ، وفي حديث جابر رضي الله عنه قال : فخرجنا من مكة فلما جعلناها بظهر أحرمنا بالحج [ ص: 32 ]

والحاصل أن من بمكة حلال إذا أراد الإحرام بالحج يحرم من الحرم ، وإذا أراد الإحرام بالعمرة يحرم من الحل ; لأن موضع أداء الأفعال غير موضع الإحرام وركن العمرة الطواف ، وهو مؤدى في الحرم فالإحرام بها يكون في الحل ، ومعظم الركن في الحج الوقوف ، وهو في الحل فالإحرام به يكون في الحرم .

( قال ) وإن شاء أحرم بالحج قبل يوم التروية وما قدم إحرامه بالحج فهو أفضل ; لأن فيه إظهار المسارعة والرغبة في العبادة ، ولأنه أشق على البدن { ، وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها إنما أجرك على قدر نصبك } ، ولما { سئل عن أفضل الأعمال قال : أحمزها } .

( قال ) ويروح مع الناس إلى منى فيبيت بها ليلة عرفة ، ويعمل على ما وصفناه في الحج في حق المفرد غير أن عليه دم المتعة يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة لقوله تعالى { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } ، ثم يحلق بعد الذبح ، ويزور البيت فيطوف به أسبوعا يرمل في الثلاثة الأول ، ويمشي في الأربعة الأواخر على هينته هو ويصلي ركعتين ، ويسعى بين الصفا ، والمروة على قياس ما بيناه في الحج ; لأن هذا أول طواف يأتي به في الحج ، وقد بينا أن الرمل في أول طواف الحج سنة ، والسعي عقيب أول طواف في الحج ، وهذا بخلاف المفرد ; لأنه طاف للقدوم في الحج هناك ، وسعى بعده فلهذا لا يرمل في طواف يوم النحر ، ولا يسعى بعده ، ولو كان هذا المتمتع بعدما أحرم بالحج طاف وسعى قبل أن يروح إلى منى لم يرمل في طواف الزيارة يوم النحر ، ولم يطف بين الصفا والمروة أيضا ; لأنه قد أتى بذلك في الحج مرة ، وإن كان حين اعتمر في أشهر الحج ساق هديا للمتعة فينبغي له أن يقلد هديه لقوله تعالى { لا تحلوا شعائر الله } إلى قوله { ولا القلائد } ولكن السنة أن يقلد الهدي بعدما يحرم بالعمرة ; لأنه لو قلد الهدي قبل الإحرام ، وساقه بنية الإحرام صار محرما هكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وفي سياق الآية ما يدل عليه ; لأنه بعد ذكر القلائد قال { وإذا حللتم فاصطادوا } فدلل أنه بالتقليد يصير محرما ، والأولى أن يحرم بالتلبية فلهذا كان الأفضل أن يلبي أولا ، ثم يقلد هديه فإذا طاف للعمرة وسعى أقام حراما ; لأن سوق هدي المتعة يمنعه من التحلل بين النسكين على ما قال صلى الله عليه وسلم { لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة وتحللت منها } . وقال في حديث آخر { أما إني قلدت هديي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أنحر } . فإذا كانت عشية التروية أحرم بالحج ، وإن أحب أن يقدم الإحرام ويطوف بالبيت والصفا والمروة لحجته فعل كما بينا في المتمتع الذي [ ص: 33 ] لم يسق الهدي إلا أنه إن لم يطف بعد الإحرام بالحج وسعى رمل في طواف يوم النحر ، وإن كان طاف بعد الإحرام بالحج وسعى لم يرمل في طواف يوم النحر ، ولم يطف بين الصفا والمروة .

( قال ) ولا يدع الحلق في جميع ذلك ملبدا أو مضفرا أو عاقصا ، والتلبيد أن يجمع شعر رأسه على هامته ، ويشده بصمغ أو غيره حتى يصير كاللبد ، والتضفير أن يجعل شعره ضفائر ، والعقص هو الإحكام ، وهو أن يشد شعره حول رأسه ، وقد بينا أن الحلق أفضل ، ولا يدع ما هو الأفضل بشيء من هذه الأسباب ، وقد { لبد رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه } كما روينا من قوله ، ولبدت رأسي ، ومع ذلك حلق

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث