الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 627 ] قوله تعالى: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا

القصد في الفقر والغنى عزيز، وهو حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان مقتصدا في حال فقره وغناه، والقصد هو التوسط، فإن كان فقيرا لم يقتر خوفا من نفاد الرزق، ولم يسرف فيحمل ما لا طاقة له به، كما أدب الله تعالى نبيه بذلك في قوله تعالى: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا وإن كان غنيا لم يحمله على السرف والطغيان، بل يكون مقتصدا أيضا . قال الله تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما

وإن كان المؤمن في حال غناه يزيد على نفقته في حال فقره، كما قال بعض السلف: إن المؤمن يأخذ عن الله أدبا حسنا إذا وسع الله عليه وسع على نفسه وإذا ضيق عليه ضيق على نفسه، ثم تلا قوله تعالى: لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لكن يكون في حال غناه مقتصدا غير مسرف، كما يفعله أكثر أهل الغنى الذين يخرجهم الغنى إلى الطغيان، كما قال تعالى: كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى

كان علي - رضي الله عنه - يعاتب على اقتصاده في لباسه في خلافته فيقول: هو أبعد عن الكبر وأجدر أن يقتدي بي المسلم .

وعوتب عمر بن عبد العزيز في خلافته على تضييقه على نفسه فقال: إن [ ص: 628 ] أفضل القصد عند الجدة، وأفضل العفو عند المقدرة . يعني أفضل ما اقتصد الإنسان في عيشه وهو واجد قادر، وهذه حال النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين، لم تغيرهم سعة الدنيا والملك ولم يتنعموا في الدنيا .

وقد روي عن سليمان عليه السلام، أنه كان يأكل خبز الشعير ويلبس الصوف .

وسئل الحسن - رضي الله عنه -، عن رجل آتاه الله مالا، فهو يحج منه ويتصدق، أله أن يتنعم فيه منه؟ قال: لا، لو كانت له الدنيا ما كان له إلا الكفاف . ويقدم فضل ذلك ليوم فقره وفاقته، إنما كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن أخذ عنهم من التابعين، ما آتاهم الله من رزق أخذوا منه الكفاف، وقدموا فضل ذلك ليوم فقرهم وفاقتهم . وقال ابن عمر لبعض ولده: لا تكن من الذين يجعلون ما أنعم الله عليهم في بطونهم وعلى ظهورهم . إشارة إلى أن المال لا ينفق كله في شهوات النفوس، وإن كانت مباحة . بل يجعل صاحبه منه نصيبا لداره الباقية، فإنه لا يبقى له منه غير ذلك . وفي الجملة فالاقتصاد في كل الأمور حسن حتى في العبادة، ولهذا نهي عن التشديد في العبادة على النفس، وأمر بالاقتصاد فيها، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم هديا قاصدا، فإن الله لا يمل حتى تملوا" . وفي "مسند البزار " عن حذيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أحسن القصد في الغنى، وما أحسن القصد في الفقر، وما أحسن القصد في العبادة" .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث