الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة أربع وستين ومائتين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر أخبار الزنج هذه السنة ودخولهم واسط

قد ذكرنا سنة اثنتين وستين ومائتين مسير سليمان بن جامع إلى البطائح ، وما كان منه مع أغرتمش ، فلما أوقع به كتب إلى صاحبه يستأذنه في المسير إليه ليحدث به عهدا ، ويصلح أمور منزله ، ( فأذن له في ذلك ) ، فأشار عليه الجبائي أن يتطرق إلى عسكرتكين البخاري ، وهو ببردود ، فقبل قوله ، وسار إلى تكين ، فلما كان على فرسخ منه قال له الجبائي : الرأي أن تقيم أنت ها هنا ، وأمضي أنا في السميريات ، وأجر القوم إليك ، فيأتونك وقد تعبوا ، فتنال منهم حاجتك .

ففعل سليمان ذلك ، وجعل بعض أصحابه كمينا ، ومضى الجبائي إلى تكين ، [ ص: 351 ] فقاتله ساعة ، ثم تطارد لهم ، فتبعوه ، فأرسل سليمان يعلمه ذلك ، وقال لأصحابه ، وهو بين يدي أصحاب تكين شبه المنهزم ، ليسمع أصحاب تكين قوله فيطمعوا فيه : غررتموني ، وأهلكتموني ، وكنت نهيتكم عن الدخول ههنا ، فأبيتم ، ولا أرانا ننجو منه .

وطمع أصحاب تكين وجدوا في طلبه ، وجعلوا ينادون : بلبل في قفص ، فما زالوا كذلك حتى جازوا موضع الكمين ، وقاربوا عسكر سليمان ، وقد كمن أيضا خلف جدر هناك ، فخرج سليمان إليهم في أصحابه فقاتلهم ، وخرج الكمين من خلفهم ، وعطف الجبائي على من في النهر ، فاشتد القتال فانهزم أصحاب تكين من الوجوه كلها ، وركبهم الزنج يقتلونهم ويسلبونهم أكثر من ثلاثة فراسخ ، وعادوا عنهم .

فلما كان الليل عاد الزنج إليهم وهم في معسكرهم ، فكبسوهم ، فقاتلهم تكين وأصحابه ، فانكشف سليمان ، ثم عبأ أصحابه ، فأمر طائفة أن تأتيهم من جهة ذكرها لهم ، وطائفة من الماء ، وأتى هو في الباقين ، فقصدوا تكين من جهاته كلها ، فلم يقف من أصحابه أحد ، وانهزموا ، وتركوا عسكرهم ، فغنم الزنج ما فيه ، وعادوا بالغنيمة ، واستخلف سليمان الجبائي على عسكره ، وسار إلى صاحبه ، وكان ذلك سنة ثلاث وستين ومائتين .

فلما سار سليمان إلى الخبيث خرج الجبائي بالعسكر الذي خلفه سليمان معه إلى مازوران لطلب الميرة ، فاعترضه جعلان ، فقاتله ، فانهزم الجبائي ، وأخذت سفنه ، وأتته الأخبار أن منجورا ومحمد بن علي بن حبيب اليشكري قد بلغا الحجاجية ، فكتب إلى صاحبه بذلك ، فسير إليه سليمان ، فوصل إلى طهثا مجدا ، وأظهر أنه يريد قصد جعلان ، وقدم الجبائي ، وأمره أن يأتي جعلان ويقف بحيث يراه ولا يقاتله .

ثم سار سليمان نحو محمد بن حبيب مجدا ، فأوقع به وقعة عظيمة ، وغنم غنائم كثيرة ، وقتل أخا لمحمد بن علي ، ورجع ، وكان ذلك في رجب من هذه السنة أيضا .

ثم سار في شعبان إلى قرية حسان ، وبها قائد يقال له حسن بن خمارتكين ، فأوقع به ، فهزمه ، ونهب القرية ، وأحرقها ، وعاد .

[ ص: 352 ] ثم سار في شعبان أيضا إلى مواضع ، فنهبها ، وعاد ، ثم سار في رمضان وأظهر أنه يريد جعلان بمازوران ، فبلغت الأخبار إلى جعلان بذلك ، فضبط عسكره ، فتركه سليمان وعدل إلى أبا فأوقع به وهو غار ، وغنم منه ست شذوات ، ثم أرسل الجبائي في جماعة لينتهب ، فصادفهم جعلان ، فأخذ سفنهم ، وغنم منهم ، فأتاه سليمان في البر ، فهزمه ، واستنقذ سفنهم ، وغنم شيئا آخر وعاد .

ثم سار سليمان إلى الرصافة في ذي القعدة ، فأوقع بمطر بن جامع وهو بها ، فغنم غنائم كثيرة ، وأحرق الرصافة ، واستباحها ، وحمل أعلاما وانحدر إلى مدينة الخبيث ، وأقام ليعيد هناك بمنزله ، فسار مطر إلى الحجاجية ، فأوقع بأهلها ، وأسر جماعة ، وكان بها قاض لسليمان ، فأسره مطر وحمله إلى واسط ، وسار مطر إلى قريب طهثا ورجع ، فكتب الجبائي إلى سليمان بذلك ، فسار نحوه ، فوافاه لليلتين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين [ ومائتين ] ، ثم صرف جعلان ، ووافى أحمد بن ليثويه ، فأقام بالشديدية .

ومضى سليمان إلى ( نهر أبان ، وبه قائد من قواد أحمد ، فأوقع به فقتله ، ثم سار سليمان إلى ) تكين في خمس شذوات سنة أربع وستين [ ومائتين ] ، فواقعه تكين بالشديدية .

وكان أحمد بن ليثويه حينئذ قد سار إلى الكوفة وجنبلاء ، فظهر تكين على سليمان ، وأخذ الشذوات بما فيها ، وكان بها صناديد سليمان وقواده فقتلهم .

ثم إن أحمد عاد إلى الشديدية ، وضبط تلك الأعمال ، حتى وافاه محمد بن المولد ، وقد ولاه الموفق مدينة واسط ، فكتب سليمان إلى الخبيث يستمده ، فأمده بالخليل بن أبان في زهاء ألف وخمسمائة فارس ، فلما أتاه المدد قصد إلى محاربة محمد بن المولد ، ودخل سليمان مدينة واسط ، فقتل فيها خلقا كثيرا ، ونهب وأحرق ، [ ص: 353 ] وكان بها ابن منكجور البخاري ، فقاتله يومه إلى العصر ، ثم قتل ، وانصرف سليمان عن واسط إلى جنبلاء ليعيث ويخرب ، فأقام هناك تسعين ليلة ، وعسكرهم بنهر الأمير .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث