الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية الثانية قوله تعالى ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون

الآية الثانية قوله تعالى : { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } .

فيها مسألتان :

المسألة الأولى : قوله : { ولكم فيها جمال } : كما قال في الآية بعدها : { لتركبوها وزينة } والجمال قد بيناه في كتب الأصول وشرح الحديث ، وأوضحنا أنه يكون في الصورة وتركيب الخلقة ، ويكون في الأخلاق الباطنة ، ويكون في الأفعال .

فأما جمال الخلقة فهو أمر يدركه البصر ، فيلقيه إلى القلب متلائما ، فتتعلق به النفس من غير معرفة بوجه ذلك ولا بسببه لأحد من البشر .

وأما جمال الأخلاق فبكونها على الصفات المحمودة من العلم والحكمة ، والعدل والعفة ، وكظم الغيظ ، وإرادة الخير لكل واحد .

وأما جمال الأفعال فهو وجودها ملائمة لصالح الخلق ، وقاضية بجلب المنافع إليهم ، وصرف الشر عنهم .

[ ص: 119 ] وجمال الأنعام والدواب من جمال الخلقة محسوب ، وهو مرئي بالأبصار ، موافق للبصائر ، ومن جمالها كثرتها .

فإذا وردت الإبل على الذرى سامية الذرى هجمات هجانا توافر حسنها ، وعظم شأنها ، وتعلقت القلوب بها .

إذا رأيت البقر نعاجا ترد أفواجا أفواجا ، تقر بقريرها ، معها صلغها وأتابعها ، فقد انتظم جمالها وانتفاعها .

وإذا رأيت الغنم فيها السالغ والسخلة ، والغريض والسديس صوفها أهدل ، وضرعها منجدل ، وظهرها منسجف ، إذا صعدت ثنية مرعت ، وإذا أسهلت عن ربوة طمرت ، تقوم بالكساء ، وتقر على الغداء والعشاء ، وتملأ الحواء سمنا وأقطا ، بله البيت ، حتى يسمع الحديث عنها كيت وكيت ، فقد قطعت عنك لعل وليت .

وإذا رأيت الخيل نزائع يعابيب ، كأنها في البيداء أهاضيب ، وفي الهيجاء يعاسيب ، رءوسها عوال ، وأثمانها غوال ، لينة الشكير ، وشديدة الشخير ، تصوم وإن رعت ، وتفيض إذا سعت ، فقد متعت الأحوال وأمتعت . وإذا رأيت البغال كأنها الأفدان بأكفال كالصوى ، وأعناق كأعناق الظبا ، ومشي كمشي القطا أو الدبى فقد بلغت فيها المنى .

وليس في الحمير زينة ، وإن كانت عن الخدمة مصونة ، ولكن المنفعة بها مضمونة .

المسألة الثانية : هذا الجمال والتزين وإن كان من متاع الدنيا فقد أذن الله فيه لعباده ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح خرجه البرقاني وغيره : { الإبل عز لأهلها ، والغنم بركة ، والخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة } . وإنما جمع النبي صلى الله عليه وسلم العز في الإبل ; لأن [ ص: 120 ] فيها اللباس والأكل واللبن والحمل والغزو ، وإن نقصها الكر والفر .

وجعل البركة في الغنم لما فيها من اللباس والطعام والشراب ، وكثرة الولادة ، فإنها تلد في العام ثلاث مرات ، إلى ما يتبعها من السكينة ، وتحمل صاحبها عليه من خفض الجناح ، ولين الجانب ، بخلاف الفدادين أهل الإبل .

وقرن صلى الله عليه وسلم الخير بنواصي الخيل بقية الدهر ، لما فيها من الغنيمة المستفادة للكسب والمعاش ، وما توصل إليه من قهر الأعداء ، وغلبة الكفار ، وإعلاء كلمة الله .

وقد روى أشهب عن مالك قال : يقول الله تعالى : { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } ; ذلك في المواشي تروح إلى المرعى وتسرح عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث