الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة التاسعة : قوله تعالى : { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم }

                                                                                                                                                                                                              فيه قولان : أحدهما : أنه مال الزكاة ; قال إبراهيم ، والحسن ، ومالك .

                                                                                                                                                                                                              الثاني : أنه جزء من مال الكتابة ; قاله علي وغيره ، وبه قال الشافعي . وقدره علي بربع الكتابة ، وقدره غيره بنجم من نجومها . ورأى الشافعي أنه مجهول ، وأن ذلك موقوف على اجتهاد الحاكم بحسب ما يراه فإنه ينفذه في تركته ، ويقضي به عليه . واحتج بمطلق الأمر في قوله : { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } ، وبقول علي ، وروي مثله عن عمر ، وليس للشافعي في المسألة عمدة ، وإنما هي لعلمائنا . وقد أوضحنا ذلك في مسائل الخلاف ، ولو أن الشافعي حين قال : إن الإيتاء واجب يقول : إن الكتابة واجبة لكان تركيبا حسنا ، ولكنه قال : إن الكتابة لا تلزم والإيتاء يجب ; فجعل الأصل غير واجب ، والفرع واجبا ; وهذا لا نظير له ; فصارت دعوى محضة . [ ص: 400 ]

                                                                                                                                                                                                              فإن قيل : يكون ذلك كالنكاح لا يجب ، فإذا انعقد وجبت أحكامه ، منها المتعة .

                                                                                                                                                                                                              قلنا : عندنا لا تجب المتعة ; فلا معنى لأصحاب الشافعي في التعلق بها .

                                                                                                                                                                                                              والدليل القاطع على أن الإيتاء غير واجب أنه لو كان واجبا غير مقدر كما قال الشافعي لكان المال في أصل الكتابة مجهولا ، والعقد بالعوض المجهول لا يجوز أن يقال إن الله شرعه ، وقد عضده علماؤنا بقول الله : { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } . ومال الله هو الزكاة ، والفيء ، وليس بمال أوجب حقا في عقد ، وإن كان العباد وأموالهم لله ، ولكن مطلق اللفظ إنما ينطلق على الزكاة والفيء .

                                                                                                                                                                                                              فإن قيل : يحسن أن يقال في هذا : إنه مال الله ; لأنه وجب لحق الله من الحرية ، وقصد به القربة إليه .

                                                                                                                                                                                                              قلنا : هذا مجاز ، لا يصار إليه إلا لضرورة .

                                                                                                                                                                                                              وبالجملة فإن أصحاب الشافعي يريدون أن يجعلوا المجاز حقيقة ، ويعدلون باللفظ عن طريقه .

                                                                                                                                                                                                              فإن قيل : فكيف يفعلون بقول عمر وعلي ؟

                                                                                                                                                                                                              قلنا : سبحان من لم يجعل الحجة إلا في قول صاحب المعجزة ، على أن الذي روي في ذلك إنما هو أن عمر كاتب عبدا له هو جد ميمون بن جابان ، فقال له عمر : كم تعرض ؟ فقال عبده : أعرض مائتي أوقية . قال : فما استزادني ، وكاتبني عليها ، فأراد أن يعجل لي من ماله طائفة ، فأرسل إلى حفصة أم المؤمنين : إني كاتبت غلامي ، فأردت أن أعجل له طائفة من مالي ، فأرسلي إلي بمائتي درهم إلى أن يأتينا بشيء ، فأرسلت بها إليه ، فأخذها عمر بيمينه ، وقرأ هذه الآية : { والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } فخذها ، فبارك الله لك فيها . قال : فبارك الله لي فيها ; عتقت منها ، وأصبت خيرا كثيرا .

                                                                                                                                                                                                              وقال علي في قول الله : { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } قال : ربع الكتابة . وكاتب عبدا له على أربعة آلاف درهم ، فوضع عنه ربعها ، وهذا من فعل عمر [ ص: 401 ] وقول علي وفعله لا يقتضي إلا الندب ، وليس فيه على الوجوب دليل لا سيما وقد خالفهما عثمان ، فروي أنه كاتب غيره ، وحلف ألا يحطه في حديث طويل .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية