الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الآية الثانية عشرة :

قوله تعالى : { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين } . فيها ثماني مسائل :

المسألة الأولى :

قوله تعالى : { من بيوتكم } : اعلموا وفقكم الله لسلوك سبيل المعارف أن كل ما علاك فأظلك فهو سقف ، وكل ما أقلك فهو أرض ، وكل ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار ، فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت .

المسألة الثانية :

قوله تعالى : { سكنا } : يعني محلا تسكنون فيه ، وتهدأ جوارحكم عن الحركة ، وقد تتحرك فيه ، وتسكن في غيره ، إلا أن القول خرج فيه على غالب الحال ، وهو أن الحركة تكون فيما خرج عن البيت ، فإذا عاد المرء إليه سكن . وبهذا سميت مساكن لوجود السكون فيها في الأغلب ، وعد هذا في جملة النعم ، فإنه لو خلق العبد مضطربا أبدا كالأفلاك لكان ذلك كما خلق وأراد ، ولو خلق ساكنا كالأرض لكان كما خلق وأراد ، ولكنه أوجده خلقا يتصرف بالوجهين ، ويختلف حاله بين الحالين ، وردده بين كيف وأين .

المسألة الثالثة :

قوله : { جعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها } : يعني جلود الإبل والبقر والغنم ، فإنه يتخذ منها بيوتا ، وهي الأخبية ، فتضرب فيسكن فيها ، ويكون بنيانا عاليها ونواحيها ، وهذا أمر انتشر في تلك الديار ، وعريت عنه بلادنا ، فلا تضرب الأخبية إلا من الكتان والصوف . وقد { كان للنبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 149 ] قبة من أدم } ، وناهيك بأديم الطائف غلاء في القيمة ، واعتلاء في الصفة ، وحسنا في البشرة . ولم يعد ذلك صلى الله عليه وسلم ترفا ولا رآه سرفا ; لأنه مما امتن الله به من نعمه ، وأذن فيه من متاعه ، وظهرت وجوه منفعته في الاكتنان والاستظلال الذي لا يقدر على الخروج عنه جنس الإنسان . ومن غريب ما جرى أني زرت بعض المتزهدين من الغافلين مع بعض رجال المحدثين ، فدخلنا عليه في خباء كتان ، فعرض عليه صاحبي المحدث أن يحمله إلى منزله ضيفا ، وقال : إن هذا موضع يكثر فيه الحر ، والبيت أرفق بك ، وأطيب لنفسي فيك . فقال له : هذا الخباء لنا كثير ، وكان في صنفها من الحقير . فقلت له : ليس كما زعمت ، قد كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رئيس الزهاد قبة من أدم طائفي يسافر معها ، ويستظل بها ، فبهت ورأيته على منزلة من العي ، فتركته مع صاحبي ، وخرجت عنه .

المسألة الرابعة :

قوله : { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها } : أذن الله سبحانه في هذه الآية بالانتفاع بصوف الغنم ، ووبر الإبل ، وشعر المعز ، كما أذن في الأعظم ، وهو ذبحها وأكل لحومها . كما أخبر أنه خلق لنا ما في الأرض جميعا ، وعلم كيفية الانتفاع بها .

المسألة الخامسة :

قوله : { أثاثا } : هو كل ما يحتاج المرء إلى استعماله من آلة ، ويفتقر إليه في تصريف منافعه من حاجة ، ومنه أثاث البيت ، وأصله من الكثرة ، يقال : أث النبت يئث ، إذا كثر ، وكذلك الشعر يقال : شعر أثيث ، إذا كان كثيرا ملتفا .

المسألة السادسة :

قوله : { ومتاعا } : وهو كل ما انتفع به المرء في مصالحه ، وصرفه في حوائجه ، يقال : تمتع الرجل بماله إذا نال لذته ، وببدنه إذا وجد صحته ، وبأهله إذا أصاب حاجته ، وببنيه إذا ظهر بنصرتهم ، وبجيرته إذا رأى منفعتهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث