الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

قوله تعالى: ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون (185) وقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره . وغير ذلك من أنواع شكره، فقال: ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم [ ص: 136 ] ولعلكم تشكرون (185) فمن جملة شكر العبد لربه على توفيقه لصيام رمضان وإعانته عليه ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكرا عقيب ذلك . كان بعض السلف إذا وفق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهارها صائما . ويجعل صيامه شكرا للتوفيق للقيام . وكان وهيب بن الورد يسأل عن ثواب شيء من الأعمال، كالطواف ونحوه، فيقول: تسألوا عن ثوابه؟! ولكن سلوا ما الذي على من وفق لهذا العمل من الشكر، للتوفيق والإعانة عليه؟!


إذا أنت لم تزدد على كل نعمة . لموليكها شكرا فلست بشاكر



كل نعمة على العبد من الله في دين أو دنيا يحتاج إلى شكر عليها، ثم التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبدا فلا يقدر العباد على القيام بشكر النعم . وحقيقة الشكر الاعتراف بالعجز عن الشكر، كما قيل:

إذا كان شكري نعمة الله نعمة .     علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله .     وإن طالت الأيام واتصل العمر



قال أبو عمرو الشيباني : قال موسى - عليه السلام - يوم الطور: يا رب! إن أنا صليت فمن قبلك، وإن أنا تصدقت فمن قبلك، وإن بلغت رسالاتك فمن قبلك، فكيف أشكرك؟ قال: يا موسى، الآن شكرتني، فأما مقابلة نعمة التوفيق لصيام شهر رمضان بارتكاب المعاصي بعده، فهو من فعل من بدل نعمة الله كفرا، فإن كان قد عزم في صيامه على معاودة المعاصي بعد انقضاء الصيام، فصيامه عليه مردود، وباب الرحمة في وجهه مسدود .

قال كعب : من صام رمضان وهو يحدث نفسه أنه إن أفطر رمضان أن لا [ ص: 137 ] يعصي الله، دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب، ومن صام رمضان وهو يحدث نفسه أنه إذا أفطر عصى ربه، فصيامه عليه مردود .

* * *

لما كانت المغفرة والعتق من النار كل منهما مرتبا على صيام رمضان وقيامه، أمر الله سبحانه وتعالى عند إكمال العدة بتكبيره، وشكره، فقال: ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون فشكر من أنعم على عباده بتوفيقهم للصيام، وإعانتهم عليه، ومغفرته لهم به، وعتقهم من النار، أن يذكروه ويشكروه ويتقوه حق تقاته . وقد فسر ابن مسعود رضي الله عنه تقواه حق تقاته بأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر لا يكفر .

فيا أرباب الذنوب العظيمة! الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة; فما منها عوض ولا لها قيمة، فكم يعتق فيها من النار من ذي جريرة وجريمة . فمن أعتق فيها من النار فقد فاز بالجائزة العميمة والمنحة الجسيمة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث