الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية العشرون قوله تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن

الآية الموفية عشرين :

قوله تعالى : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا } فيها ثلاث مسائل :

المسألة الأولى : في سبب نزولها : وفي ذلك خمسة أقوال :

الأول : روى البخاري وغيره عن ابن عباس أن الصلاة هنا القراءة في الصلاة قال : { كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ، ومن أنزل ومن جاء به ; فقال الله لنبيه : { ولا تجهر بصلاتك } فيسمع المشركون { ولا تخافت بها } حتى لا يسمعك أصحابك الآية } . الثاني : أنها نزلت في الدعاء ; قاله البخاري ، وغيره عن عائشة ، وابن وهب أيضا ، رواه عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه .

الثالث : قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : قيل لمحمد : لا تحسن صلاتك في العلانية مراءاة ، ولا تسيئها في المخافتة .

الرابع : روي عن عكرمة عن ابن عباس إنما نزلت هذه لأمر ; وذلك أن الله لما أنزل على رسوله في عدد خزنة النار : { عليها تسعة عشر } قالوا في ذلك ما قالوا ، وجعلوا إذا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يتفرقون عنه ، فكان الرجل إذا أراد أن يسمع استرق السمع [ ص: 218 ] دونهم فرقا منهم ، فإذا رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ] ذهب خشية أذاهم ، وإن خفض صوته يظن الذي يسمع أنهم لا يسمعون من قراءته شيئا وسمع هو شيئا منهم أصاخ له يسمع منه ، فقيل له : لا تجهر بصلاتك فيتفرقوا عنك ، ولا تخافت بها فلا يسمعها من يسترق السمع ، رجاء أن يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به الوسنان . قال محمد بن سيرين : كان أبو بكر يخافت ، وعمر يجهر ، فقيل لأبي بكر في ذلك ، فقال : أسمع من أناجي . وقيل لعمر فيه ، فقال : أوقظ الوسنان ، وأطرد الشيطان ، وأذكر الرحمن . فقيل لأبي بكر : ارفع قليلا . وقيل لعمر : اخفض قليلا ، وذكر هذا عند قوله تعالى : { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } .

المسألة الثانية : عبر الله هاهنا بالصلاة عن القراءة ، كما عبر بالقراءة عن الصلاة في قوله : { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } ; لأن كل واحد منها مرتبط بالآخر ; الصلاة تشتمل على قراءة وركوع وسجود ، فهي من جملة أجزائها ، فيعبر بالجزء عن الجملة وبالجملة عن الجزء ، على عادة العرب في المجاز وهو كثير .

المسألة الثالثة : في تتبع الأسباب بالتنقيح : أما روايات ابن عباس فأصحها الأول وأما رواية عائشة فيعضدها ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مسير ، فرفعوا أصواتهم بالتكبير ، فقال صلى الله عليه وسلم : إنكم لا تدعون أصم ، ولا غائبا ، وإنما تدعون سميعا قريبا ; إنه بينكم و بين رءوس رحالكم } .

وأما الثالث فإن صح فيكون خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم و المراد أمته ، إذ لا يجوز عليه شيء من ذلك . [ ص: 219 ] وأما الرابع فمحتمل ، لكنه لم يصح .

وأما حديث أبي بكر وعمر فيشبه الحديث الوارد في الدعاء ، ولعل ذلك محمول على الزيادة في الجهر ، حتى يضر ذلك بالقارئ ، ولا يمكنه التمادي عليه ، فأخذ بالوسط من الجهر المتعب والإسرار المخافت .

وقد رأيت بعض العلماء قال فيها قولا سادسا ; وهو لا تجهر بصلاتك بالنهار ولا تخافت بها بالليل ، وابتغ بين ذلك سبيلا سنها الله لنبيه وأوعز بها إليكم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث