الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أوصى أن يحج عنه بألف درهم فبلغت حججا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( قال ) : وإذا أراد الرجل أن يحج رجلا عن نفسه فأحب إلي أن يحج رجلا قد حج عن نفسه ; لأنه أبعد عن اختلاف العلماء - رحمهم الله تعالى - ولأنه أهدى في إقامة أعمال الحج لصيرورتها معهودة عنده فإن أحج صرورة عن نفسه يجوز عندنا وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز ويكون حج الصرورة عن نفسه لا عن الآمر وحجته ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه رأى رجلا يلبي عن شبرمة فقال عليه الصلاة والسلام : من شبرمة ؟ فقال : أخ لي أو صديق لي ، فقال عليه الصلاة والسلام : حج عن نفسك ، ثم عن شبرمة } وحجتنا في ذلك حديث الخثعمية { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جوز لها أن تحج عن أبيها ، ولم يستفسر أنها حجت عن نفسها أو لا } . وفي الحديث الأخير تعارض فقد روي { أنه سمع رجلا يلبي عن نبيشة ، فقال : من نبيشة ، فقال : صديق لي ، فقال : إذا حججت عن نبيشة فحج عن نفسك } وتأويل الحديث الأخير أن ذلك الرجل لم يحرم ، ولكن على سبيل التعليم للكيفية في التلبية عن الغير فأشار عليه عليه الصلاة والسلام بأن يبدأ بالحج عن نفسه وبه نقول أن الأفضل أن يحج عن نفسه أولا . والاختلاف في هذا نظير الاختلاف في الصرورة إذا حج بنية النفل عندنا حجه يكون نفلا ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى يكون عن حجة الإسلام وحجته في ذلك أن نية النفل لغو ; لأنه عبارة عن الزيادة ولا يتصور ذلك قبل الأصل ، وإذا لغت نية النفل يبقى مطلق نية الحج وبمطلق النية يتأدى الفرض يدل عليه أن نية النفل نوع سفه قبل أداء حجة الإسلام ، والسفيه مستحق الحجر فجعل نية النفل لغوا تحقيقيا لمعنى الحجر فيبقى مطلق النية ، ويجوز أن تتأدى حجة الإسلام بغير نية كما في المغمى عليه إذا أحرم عنه أصحابه فبنية النفل أولى .

وحجتنا في ذلك أن وقت أداء الفرض في الحج يتسع لأداء النفل فلا يتأدى الفرض منه بنية النفل كالصلاة بخلاف الصوم عندنا ، ووقت أداء الصوم لا يتسع لأداء النفل ، وهذا لأن الحج عبادة معلومة بالأفعال لا بالوقت فكان الوقت ظرفا له لا معيارا ، وفي مثله [ ص: 152 ] لا يتميز الفرض من النفل إلا بالتعيين . وقوله " يتأدى بمطلق النية " قلنا عندنا لا يتأدى إلا بالتعيين غير أن التعيين يثبت بالنص تارة وبالدلالة أخرى ، وفي الحج التعيين حاصل بدلالة العرف ، فالظاهر أن الإنسان لا يتحمل المشقة العظيمة ، ثم يشتغل بأداء النفل مع بقاء الفرض عليه ، والتعيين بالعرف كالتعيين بالنص كمن اشترى بدراهم مطلقة ينصرف إلى نقد البلد بدلالة العرف ، وإنما يعتبر العرف إذا لم يوجد التصريح بخلافه ، فإذا صرح بنية النفل سقط اعتبار العرف فكان حجه عما نوى وما قال باطل على أصله في الصوم فإنه لا يلغي اعتبار نية النفل بل يجعله معتبرا في الإعراض عن الفرض والمغمى عليه آذن لأصحابه بطريق الدلالة في الإحرام عنه فينزل ذلك منزلة الإذن إفصاحا فإنما يتأدى له حج بالنية . وإن أراد أن يعين رجلا بماله للحج عن نفسه فالصرورة أولى بذلك ممن قد حج ; لأن الصرورة بماله يتوسل إلى أداء الفرض ، ومن قد حج مرة يتوسل إلى أداء النفل وكما أن درجة أداء الفرض أعلى كانت الإعانة عليه بالمال أولى

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث