الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل . الرابع : أن يأخذ جميع المبيع ، فإن طلب أخذ البعض سقطت شفعته ، فإن كانا شفيعين فالشفعة بينهما على قدر ملكيهما ، وعنه : على عدد الرءوس ، فإذا ترك أحدهما شفعته ، لم يكن للآخر أن يأخذ إلا الكل أو يترك ، فإن كان المشتري شريكا فالشفعة بينه وبين الآخر ، فإن ترك شفعته ليوجب الكل على شريكه ؛ لم يكن له ذلك ، وإذا كانت دار بين اثنين فباع أحدهما نصيبه لأجنبي صفقتين ، ثم علم شريكه فله أن يأخذ بالبيعين ، وله أن يأخذ بأحدهما ، فإن أخذ بالثاني شاركه المشتري في شفعته في أحد الوجهين ، وإن أخذ بالأول لم يشاركه ، وإن أخذ بهما لم يشاركه في شفعة الأول ، وهل يشاركه في شفعة الثاني ؛ على وجهين ، وإن اشترى اثنان حق واحد ، فللشفيع أخذ حق أحدهما ، وإن اشترى واحد حق اثنين ، أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة ، فللشفيع أخذ أحدهما على أصح الوجهين ، وإن باع شقصا وسيفا فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن ، ويحتمل أن لا يجوز ، وإن تلف بعض المبيع فله أخذ الباقي بحصته من الثمن ، وقال ابن حامد : إن كان تلفها بفعل الله تعالى فليس له أخذه إلا بجميع الثمن .

التالي السابق


فصل

( الرابع : أن يأخذ جميع المبيع ) لأن في أخذه بعضه إضرارا بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه ، والضرر لا يزال بمثله مع أنها تثبت على خلاف الأصل دفعا لضرر الشريك ، فإذا أخذ البعض لم يندفع الضرر ( فإن طلب أخذ البعض سقطت شفعته ) لأنه إذا سقط بعضها سقط كلها كالقصاص ( فإن كانا شفيعين فالشفعة بينهما على قدر ملكيهما ) في ظاهر المذهب ; لأن ذلك حق يستفاد بسبب الملك ، فكان على قدر الأملاك كالغلة ، فدار بين ثلاثة : نصف ، وثلث ، وسدس ، فباع رب الثلث ، فالمسألة من ستة ، والثلث يقسم على أربعة ، لصاحب النصف ثلاثة ، ولصاحب السدس واحد ( وعنه على عدد الرءوس ) اختارها ابن عقيل ; لأن كل واحد منهما لو انفرد استحق الجميع ، فإذا اجتمعا تساويا كالبنين ، وسراية العتق ، وهو ينتقض بالفرسان والرجالة في الغنيمة ، فإن من انفرد منهم أخذ الكل ، فإذا اجتمعوا تفاضلوا كأصحاب الديوان ، والجمع كالاثنين من غير فرق ( فإذا ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر أن يأخذ إلا الكل أو يترك ) إجماعا حكاه ابن المنذر ; لأن في أخذ البعض إضرارا بالمشتري ، ولو وهبها لشريكه أو لغيره لم يصح ، فإن كان أحدهما غائبا ، فليس للحاضر أن يأخذ إلا الكل ، أو يترك كالعفو ، نص عليه ، لكن إن ترك الطلب منتظرا لشريكه فوجهان ، أحدهما : تسقط لتركه طلبها مع إمكانه ، والثاني : لا ; لأن له عذرا ، وهو الضرر الذي يلزمه بأخذ شريكه منه ، فإن أخذ الجميع ثم حضر الثاني قاسمه ، فإذا حضر ثالث قاسمهما ، وما حدث من نماء منفصل في يد الأول فهو له ; لأنه حدث في ملكه ( فإن كان المشتري شريكا فالشفعة بينه وبين الآخر ) لكل واحد قدر نصيبه ؛ لأنهما تساويا في الشركة فوجب تساويهما في الشفعة كما لو كان المشتري أجنبيا ( فإن ترك ) المشتري ( شفعته ليوجب الكل على شريكه لم يكن له ذلك ) أي : لم يلزمه ذلك ، ولم يصح الإسقاط ; لأن ملكه قد استقر على قدر حقه ، وجرى مجرى الشفيعين إذا حضر أحدهما ، فأخذ الجميع ثم حضر الآخر ، وطلب حقه منهما ، فقال الآخر : خذ الكل أو دعه .

( وإذا كانت دار بين اثنين ، فباع أحدهما نصيبه لأجنبي صفقتين ) بأن باعه ربعا منها بكذا ، ثم باعه الربع الآخر ، فقد تعدد العقد ( ثم علم شريكه فله أن يأخذ بالبيعين ) لأنه شفيع فيهما ( وله أن يأخذ بأحدهما ) لأن كل واحد منهما عقد مستقل بنفسه ، وهو يستحقهما ، فإذا أسقط البعض كان له ذلك ، كما لو أسقط حقه من الكل ( فإن أخذ بالثاني شاركه المشتري في شفعته ) بنصيبه الأول ( في أحد الوجهين ) لأن الشفيع بإسقاطه حقه من البيع الأول ؛ استقر ملك المشتري فصار شريكه ، فيشاركه في البيع الثاني ، والآخر لا يشاركه ; لأن ملك المشتري لم يستقر على المبيع ، بدليل أن للشفيع أخذه بعد البيع الثاني فلم يستحق به شفعة ، وفي ثالث إن عفا الشفيع عن أولهما شاركه ، وهو ظاهر ، وأطلق الخلاف في " الفروع " ( وإن أخذ بالأول لم يشاركه ) لأنه لم يسبق له شركة ( وإن أخذ بهما لم يشاركه في شفعة الأول ) لما تقدم من عدم الشركة ( وهل يشاركه في شفعة الثاني ؛ على وجهين ) وقد عرف وجههما .

فرع : إذا كانت أرض بين ثلاثة ، فوكل أحدهم شريكه في بيع نصيبه مع نصيبه ، فباعهما لرجل آخر ، فلشريكه الشفعة فيهما ، وهل له أخذ أحد النصيبين دون الآخر ؛ فيه وجهان ، وإن وكل في شراء نصف نصيب أحد الشركاء فاشترى الشقص كله لنفسه ولموكله ، فلشريكه أخذ نصيب أحدهما لأنهما مشتريان ، ولا يفضي إلى تبعيض الصفقة على المشتري .

( وإن اشترى اثنان حق واحد ، فللشفيع أخذ حق أحدهما ) في قول أكثر العلماء ; لأن العقد مع الاثنين بمنزلة عقدين ، ودل على أنه يأخذهما ، وهو ظاهر ، وقيل : بل عقد واحد يأخذ به الكل ، أو يتركه ، قاله في " الرعاية " ( وإن اشترى واحد حق اثنين ) أي : صفقة واحدة ، فللشفيع أخذ أحدهما ، وهو المذهب ; لأن تعدد البائع كتعدد المشتري ، وقال القاضي : لا يملك ذلك ; لأن فيه تبعيضا للصفقة على المشتري ، وذلك ضرر عليه ( أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة ، فللشفيع أخذ أحدهما على أصح الوجهين ) وجزم به في " الوجيز " وغيره ; لأن الضرر قد يلحقه بأرض دون أرض ، والثاني ليس له ذلك لما فيه من التبعيض على المشتري ، والأول أصح ; لأن كلا منهما يستحق بسبب غير الآخر ، فجرى مجرى الشريكين ، وقيل بتعدد البائع ، جزم به في " الفنون " ، وقاسه على تعدد المشتري بما يقتضي أنه محل وفاق ، وأطلق في " المحرر " ، و " الفروع " الخلاف .

فرع : اشترى اثنان من اثنين شقصيهما في عقد فعقدان ، وقيل : بل أربعة ، اشترى وكيل اثنين من زيد شقصا في عقد ، فهل يعتبر به أو بهما ، أو بوكيل المشتري فقط ؛ يحتمل أوجها ، ذكره في " الرعاية " .

( وإن باع شقصا وسيفا ) في عقد واحد ( فللشفيع أخذ الشقص ) لأنه تجب فيه الشفعة إذا بيع منفردا ، فكذا إذا بيع مع غيره ، ويأخذه ( بحصته من الثمن ) أي : فيقسم الثمن على قدر قيمتهما ، نص عليه ( ويحتمل أن لا يجوز ) حكاه في " الفروع " قولا لأصحابنا ; لأن في ذلك تبعيضا للصفقة على المشتري ، وذلك ضرر به ( وإن تلف بعض المبيع فله أخذ الباقي بحصته من الثمن ) في ظاهر المذهب ; لأنه تعذر أخذ الكل ، فجاز له أخذ الباقي كما لو أتلفه آدمي ، فلو اشترى دارا بألف تساوي ألفين ، فباع بابها ، أو هدمها ، فبقيت بألف أخذها بخمسمائة بالقيمة من الثمن ، نص عليه ( وقال ابن حامد : إن كان تلفها بفعل الله تعالى فليس له أخذه إلا بجميع الثمن ) لأن في أخذه بالبعض إضرارا بالمشتري فلم يكن له ذلك كما لو أخذ البعض مع بقاء الجميع .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث