الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( وأقل النفاس لا حد له ) لأن تقدم الولد علم الخروج من الرحم ، فأغنى عن امتداد جعل علما عليه بخلاف الحيض ( وأكثره أربعون يوما ، والزائد عليه استحاضة ) لحديث أم سلمة رضي الله عنها: " { أن النبي عليه الصلاة والسلام [ ص: 293 ] وقت للنفساء أربعين يوما }وهو حجة على الشافعي رحمه الله في اعتبار الستين ( فإن جاوز الدم الأربعين ، وقد كانت ولدت قبل ذلك ولها عادة في النفاس ردت إلى أيام عادتها ) لما بينا في الحيض ( وإن لم تكن لها عادة فابتداء نفاسها أربعون يوما ) لأنه أمكن جعله نفاسا ( فإن ولدت ولدين في بطن واحد فنفاسها من الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ، وإن كان بين الولدين أربعون يوما ، وقال محمد رحمه الله : من الولد الأخير ) وهو قول زفر رحمه الله ; لأنها حامل بعد وضع الأول ، فلا تصير نفساء كما أنها لا تحيض ، ولهذا تنقضي العدة بالولد الأخير بالإجماع .

ولهما أن الحامل إنما لا تحيض لانسداد فم الرحم على ما ذكرنا ، وقد انفتح بخروج الأول وتنفس بالدم فكان نفاسا والعدة تعلقت بوضع حمل مضاف إليها فيتناول الجميع .

التالي السابق


فصل في النفاس الحديث التاسع : روت أم سلمة رضي الله عنهاأن { النبي صلى الله عليه وسلم وقت للنفساء أربعين [ ص: 293 ] يوما } ، قلت : رواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث كثير بن زياد أبي سهل ، قال : حدثتني مسة الأزدية عن أم سلمة ، قالت : { كانت المرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقعد في النفاس أربعين يوما ، أو أربعين ليلة ، وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف }انتهى .

زاد أبو داود في لفظ : لا يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء صلاة النفاس انتهى . قال الترمذي : قال البخاري : أبو سهل ثقة ، ولم يعرف هذا الحديث إلا من حديثه انتهى ورواه الحاكم في " المستدرك " بزيادة أبي داود ، وقال : حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، انتهى ورواه الدارقطني ، ثم البيهقي في " سننهما " ، وأخرجه الدارقطني أيضا عن الحكم بن عتيبة عن مسة به .

وقال ابن تيمية في " المنتقى " : معنى الحديث : أي كانت النفساء تؤمر أن تقعد أربعين يوما ، قال : إذ لا يمكن أن يتفق عادة نساء عصر في نفاس ولا حيض انتهى . وقال عبد الحق في " أحكامه " : أحاديث هذا الباب معلولة ، وأحسنها حديث مسة الأزدية انتهى .

قال ابن القطان في " كتابه " : [ ص: 294 ] وحديث مسة أيضا معلول ، فإن مسة المذكورة ، وتكنى " أم بسة " لا يعرف حالها ولا عينها ، ولا يعرف في غير هذا الحديث ، وأيضا فأزواج النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن منهن نفساء معه إلا خديجة ، ونكاحها كان قبل الهجرة ، فلا معنى لقولها : قد كانت المرأة إلى آخره ، إلا أن تريد بنسائه غير أزواجه من بنات ، وقريبات ، وسرية عارية ، والله أعلم انتهى كلامه . وأعله ابن حبان في " كتاب الضعفاء " بكثير بن زياد ، وقال : إنه يروي الأشياء المقلوبات ، فاستحق مجانبة ما انفرد به من الروايات انتهى .

{ أحاديث الباب } روى ابن ماجه في " سننه " حدثنا عبد الله بن سعيد : ثنا المحاربي عن سلام بن سليم الطويل عن حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت للنفساء أربعين يوما ، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك انتهى .

ورواه الدارقطني في " سننه " ثم قال : لم يروه عند حميد غير سلام هذا ، وهو ضعيف انتهى .

وقال صاحب " التنقيح " : لم يخرج ابن ماجه في " كتابه " لسلام غير هذا الحديث انتهى .

{ حديث آخر } : رواه الحاكم في " مستدركه " من حديث أبي بلال الأشعري ثنا أبو شهاب عن هشام بن حسان عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص ، قال : { وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء في نفاسهن أربعين يوما }انتهى .

قال الحاكم : إن سلم هذا الإسناد من أبي بلال فإنه مرسل صحيح ; لأن الحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص انتهى .

ورواه الدارقطني في " سننه " وقال : أبو بلال الأشعري ضعيف انتهى .

{ حديث آخر } : أخرجه الحاكم في " المستدرك " أيضا عن عمرو بن الحصين ثنا محمد بن عبد الله بن علاثة عن عبدة بن أبي لبابة عن عبد الله بن باباه عن عبد الله بن عمرو ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { تنتظر النفساء أربعين ليلة ، فإن رأت الطهر قبل ذلك [ ص: 295 ] فهي طاهر ، وإن جاوزت الأربعين فهي بمنزلة المستحاضة تغتسل وتصلي ، فإن غلبها الدم توضأت لكل صلاة }" انتهى .

قال الحاكم : وعمرو بن الحصين ، ومحمد بن علاثة ليسا من شرط الشيخين ، وإنما ذكرته شاهدا انتهى .

ورواه الدارقطني في " سننه " وقال : عمرو بن الحصين . وابن علاثة متروكان ضعيفان انتهى .

{ حديث آخر } : أخرجه الدارقطني عن أبي بلال الأشعري ثنا حبان عن عطاء عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت للنساء في نفاسهن أربعين يوما }انتهى وتقدم تضعيفه لأبي بلال . ورواه ابن حبان في " كتاب الضعفاء " من حديث حسين بن علوان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، قالت : { وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم للنفساء أربعين يوما إلا أن ترى الطهر فتغتسل وتصلي ، ولا يقربها زوجها في الأربعين }انتهى .

ثم قال : حديث لا يصح ، وحسين بن علوان كان يضع الحديث انتهى . وعطاء هذا هو " عطاء بن عجلان " هكذا نسبه الطبراني في " جمعه أحاديث من اسمه عطاء " وهو جزء حديثي . قال الطبراني : لا يعلم هذا الحديث يروى بهذا الإسناد إلا من جهة عطاء بن عجلان ، وهو كوفي ضعيف ، تفرد في روايته بأشياء ، منها هذا الحديث ، ولم يروه عن ابن أبي مليكة أحد غيره انتهى .

{ حديث آخر } . رواه الطبراني في " معجمه الوسط " حدثنا أحمد بن خليد ثنا عبيد بن جناد ثنا سليمان بن حبان أبو خالد الأحمر عن الأشعث بن سوار عن أبي الزبير عن جابر ، قال : وقت للنفساء أربعين يوما انتهى .

{ حديث آخر } . أخرجه ابن عدي في " الكامل " عن العلاء بن كثير الدمشقي عن مكحول عن أبي داود وأبي هريرة ، قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { تنتظر النفساء أربعين يوما ، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك ، فإن بلغت أربعين يوما ولم تر الطهر فلتغتسل ، وهي [ ص: 296 ] بمنزلة المستحاضة }انتهى .

وضعف العلاء بن كثير عن البخاري ، والنسائي ، وابن المديني ، وابن معين ، ووافقهم . وقد أشار ابن الجوزي في " التحقيق " إلى هذا الحديث ، فقال : وقد روى أصحابنا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا مضى أربعون فهي مستحاضة تغتسل وتصلي }" ، ثم قال : وهذا الحديث لا أعرفه ، وأقره صاحب " التنقيح " على ذلك وسكت عنه . وقد رواه ابن عدي ، كما ذكرناه ، وتقدم نحوه عن عبد الله بن عمرو مرفوعا ، { وإن جاوزت الأربعين فهي بمنزلة المستحاضة تغتسل وتصلي } ، كما رواه الحاكم والدارقطني والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث