الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في صفة التدبير

جزء التالي صفحة
السابق

فإن دبراه معا ينظر إن قال كل واحد منهما : قد دبرتك أو أنت مدبر أو نصيبي منك مدبر أو قال إذا مت فأنت حر أو أنت حر بعد موتي .

وخرج الكلامان معا صار مدبرا لهما بلا خلاف ; لأن تدبير كل واحد منهما صادف ملك نفسه فصار العبد مدبرا بينهما فإذا مات أحدهما عتق نصيبه من الثلث ، والآخر بالخيار إن شاء أعتق وإن شاء كاتب وإن شاء استسعى ، وليس له أن يتركه على حاله ; لأنه صار معتق البعض ، فإذا مات الباقي منهما قبل أخذ السعاية بطلت السعاية وعتق إن كان يخرج من الثلث لما ذكرنا .

وإن قالا جميعا : إذا متنا فأنت حر أو أنت حر بعد موتنا وخرج كلامهما معا ، لا يصير مدبرا لأن كل واحد منهما علق عتقه بموته وموت صاحبه ، فصار كأن كل واحد منهما قال : إن مت أنا وفلان فأنت حر أو أنت حر إن مت أنا وفلان إلا إذا مات أحدهما فيصير نصيب الباقي منهما مدبرا لصيرورة عتقه معلقا بموت المولى مطلقا ، وصار نصيب الميت ميراثا لورثته ، ولهم الخيارات إن شاءوا أعتقوا وإن شاءوا دبروا وإن شاءوا كاتبوا وإن شاءوا استسعوا وإن شاءوا ضمنوا الشريك إن كان موسرا ، وإذا مات الآخر عتق نصيبه من الثلث ، هذا إذا دبره أحدهما أو كلاهما ، فإن دبر أحدهما أو أعتقه الآخر فهذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين : إما أن خرج الكلامان على التعاقب ، وإما إن خرجا معا .

فإن خرجا على التعاقب فإما إن علم السابق منهما ، وإما إن لم يعلم .

فإن علم فإن كان الإعتاق سابقا بأن أعتقه أحدهما أولا ثم دبره الآخر فأما على قول أبي يوسف ومحمد فكما أعتقه أحدهما فقد عتق كله ; لأن الإعتاق عندهما لا يتجزأ ، وتدبير الشريك باطل ; لأنه صادف الحر ، والولاء كله للمعتق ; لأن كله عتق بإعتاقه ، وعليه الضمان إن كان موسرا وعلى العبد السعاية إن كان معسرا لما ذكرنا في كتاب العتاق ، فصار كعبد بين اثنين أعتقه أحدهما وسكت الآخر ، وقد ذكرنا فيما تقدم وأما على قول أبي حنيفة إذا أعتقه أحدهما ، فلم يعتق إلا نصيبه لتجزؤ الإعتاق عنده ، فلما دبره الآخر فقد صح تدبيره ; لأنه دبر ملك نفسه فصح وصار ميراثا للمعتق عن [ ص: 118 ] الضمان ; لأنه قد ثبت له بإعتاق الشريك خيارات منها التضمين ومنها التدبير ، فإذا دبره فقد استوفى حقه فبرئ المعتق عن الضمان ، ولأنه إنما يثبت له ولاية التضمين بشرط نقل نصيبه إلى المعتق بالضمان وقد خرج الجواب عن احتمال النقل بالتدبير فسقط الضمان ، والمدبر بالخيار إن شاء أعتق نصيبه الذي صار مدبرا وإن شاء كاتبه وإن شاء استسعى العبد ، وليس له أن يتركه على حاله ; لأنه قد عتق بعضه فوجب تخريجه إلى العتق بالطرق التي بينا ، وإذا مات المدبر عتق نصيبه الذي صار مدبرا من الثلث ، والولاء بينهما ; لأن كله عتق بإعتاقهما ، النصف بالإعتاق البات والنصف بالتدبير ، فعتق نصيب كل واحد منهما على ملكه .

وإن كان التدبير سابقا بأن دبره أحدهما أولا ثم أعتق الآخر ، فعلى قولهما كما دبره أحدهما صار كله مدبرا له ; لأن التدبير عندهما لا يتجزأ كالإعتاق البات ويضمن المدبر نصيب شريكه قنا ، سواء كان موسرا أو معسرا لما بينا .

وأما على قول أبي حنيفة فلم يصر كله مدبرا ، بل نصيبه خاصة لتجزؤ التدبير عنده فصح إعتاق الشريك فعتق نصفه ، وللمدبر أن يرجع على المعتق بنصف قيمة العبد مدبرا إن كان المعتق موسرا لما ذكرنا فيما تقدم ، وإن شاء أعتق نصيبه الذي هو مدبر ، وإن شاء استسعى العبد وليس له أن يتركه على حاله ; لأنه معتق البعض ، وإن خرج الكلامان معا لا يرجع أحدهما على صاحبه بضمان ; لأن الضمان إنما يجب بإتلاف مال الغير ، فإذا خرج الكلامان معا كان كل واحد منهما متصرفا في ملك نفسه لا متلفا ملك غيره ، فلا يجب عليه الضمان ، ومنهم من قال هذا على قياس قول أبي حنيفة ; لأن الإعتاق والتدبير كل واحد منهما يتجزأ عنده ، فصح التدبير في النصف ، والإعتاق في النصف .

فأما على قياس قولهما ينفذ الإعتاق ويبطل التدبير ; لأن الإعتاق والتدبير لا يتجزآن ، والإعتاق أقوى فيدفع الأدنى وإن كان أحدهما سابقا لكن لا نعلم السابق منهما من اللاحق ، ذكر في الأصل أن المعتق يضمن ربع قيمة العبد للمدبر ويستسعي العبد له في الربع الآخر ، وهذا استحسان ، ولم يذكر الخلاف ، ومنهم من قال : هذا قول أبي حنيفة .

فأما عندهما فالجواب فيه وفيما إذا خرج الكلامان معا سواء وجه قولهما إن كل أمرين حادثين لا يعلم تاريخهما يحكم بوقوعهما معا في أصول الشرع كالغرقى والحرقى والهدمى ، ولهذا قال بعض أهل الأصول : في النص العام والخاص إذا تعارضا وجهل التاريخ أنه يجعل كأنهما وردا معا ، ويبنى العام على الخاص على طريق البيان ، ويكون المراد من النص العام ما وراء القدر المخصوص ، وجه قياس قول أبي حنيفة أنه وقع الشك في وجوب الضمان على المعتق لوقوع الشك في سبب وجوبه ; لأن التدبير إن كان لاحقا كان المدبر بالتدبير جبريا للمعتق من الضمان لما مر ، وإن كان سابقا يجب الضمان على المعتق فوقع الشك في الوجوب ، والوجوب لم يكن ثابتا فلا يثبت مع الشك ، وجه الاستحسان له اعتبار الأحوال وهو أن الإعتاق إذا كان متقدما على التدبير فقد أبرأ المدبر المعتق عن الضمان ، وإن كان متأخرا فالمعتق ضامن وقد سقط ضمان التدبير بالإعتاق بعده .

فإذا لا ضمان على المدبر في الحالتين جميعا والمعتق يضمن في حال ولا يضمن في حال ، والمضمون هو النصف فينتصف فيعتق ربع القيمة ويسعى العبد للمدبر في الربع الآخر ; لأنه لما تعذر التضمين فيه ووجب تخريجه إلى العتاق ، أخرج بالسعاية كما لو كان المعتق موسرا ، والله عز وجل أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث