الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

1630 [ ص: 150 ] مالك عن أبي ليلى الأنصاري حديث واحد

قال أبو عمر :

اختلف في اسم أبي ليلى هذا ، فقيل : اسمه عبد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل بن أبي حثمة ، وقيل : عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل ، وقيل : داود بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل وقال فيه ابن إسحاق أبو ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل بن أبي حثمة .

مالك عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره رجال من كبراء قومه أن عبد الله ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم ، فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل ، وطرح في فقير بئر ، أو عين ، فأتى يهود فقال : أنتم والله قتلتموه ، فقالوا : والله ما قتلناه ، فأقبل حتى قدم على قومه ، فذكر لهم ذلك ، ثم أقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن فذهب محيصة ليتكلم ، وهو الذي كان بخيبر فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كبر كبر يريد السن .

[ ص: 151 ] فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إما أن يدوا صاحبكم ، وإما أن يؤذنوا بحرب ، فكتب إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ، فكتبوا إنا والله ما قتلناه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن أتحلفون ، وتستحقون دم صاحبكم ؟ فقالوا : لا ، قال : فتحلف لكم يهود ؟ قالوا : ليسوا بمسلمين ، فوداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عنده ، فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار ، قال سهل : لقد ركضتني منها ناقة حمراء
.

التالي السابق


هكذا قال : يحيى عن مالك في هذا الحديث ، عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل أنه أخبره رجال من كبراء قومه ، وتابعه على ذلك ابن وهب وابن بكير وليس في روايتهم ما يدل على سماع أبي ليلى من سهل بن أبي حثمة .

وقال ابن القاسم وابن نافع والشافعي وأبو المصعب مطرف عن مالك فيه أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه .

وقال القعنبي وبشر بن عمر الزهراني فيه ، عن مالك عن أبي ليلى أنه أخبره ، عن رجال من كبراء قومه ، وذلك كله ، وإن اختلف لفظه يدل على سماع أبي ليلى من سهل بن أبي حثمة .

ورواية التنيسي لهذا الحديث نحو رواية ابن القاسم والشافعي .

حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عمر بن محمد بن القاسم ومحمد بن أحمد بن كامل ومحمد بن أحمد بن المسور قالوا : حدثنا بكر بن [ ص: 152 ] سهل قال : حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا مالك حدثنا أبو ليلى عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر ، فذكر الحديث بتمامه .

فلا معنى لإنكار من أنكر سماع أبي ليلى من سهل بن أبي حثمة ، وقوله مع ذلك إنه مجهول لم يرو عنه مالك بن أنس وليس كما قال : وليس بمجهول ، وقد روى عنه محمد بن إسحاق ومالك وحديثه هذا متصل - إن شاء الله - صحيح ، وسماع أبي ليلى من سهل صحيح ولأبي ليلى رواية عن عائشة وجابر وقد مضى القول في معنى هذا الحديث ممهدا مبسوطا في باب يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار من هذا الكتاب ، والحمد لله ، فلا معنى لتكرير ذلك ههنا .

قال أبو عمر :

لا حجة لمن جعل قوله في هذا الحديث : إما أن يدوا صاحبكم ، وإما أن يأذنوا بحرب ، حجة في إبطال القود بالقسامة ; لأن قوله فيه تحلفون وتستحقون دم صاحبكم ، يدل على القود ، فإن ادعى مدع أنه أراد بقوله : دم صاحبكم - ما يجب بدم صاحبكم - وهي الدية فقد ادعى باطنا لا دليل عليه ، والظاهر فيه القود ، ( والله أعلم ، ولا يخرج حديث أبي ليلى هذا على مذهب مالك إلا أن يجعل مخاطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك بعد عفو من يجوز له العفو من ولاة الدم عن القتل على أخذ الدية ، ويخرج على مذهب الشافعي - بعد أن يحلف ولاة [ ص: 153 ] للدم ، ويخرج على مذهب أبي حنيفة - بعد أن يحلف المدعى عليهم للدم ) .

وقد بان في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في هذه القصة معنى قوله : إما أن يدوا صاحبكم ، وأن ذلك كان بعد الإخبار بأنهم إن حلفوا خمسين يمينا على رجل أعطوه برمته ، وهذا هو القود بعينه ، وكذلك في رواية حماد بن زيد وغيره ، عن يحيى بن سعيد لهذا الحديث عن بشير بن يسار وقد ذكرناه في بابه من هذا الكتاب ، وجدت في أصل سماع أبي - رحمه الله - بخطه أن محمد بن أحمد بن قاسم حدثهم ، قال : حدثنا سعيد بن عثمان قال : حدثنا نصر بن مرزوق قال : حدثنا أسد بن موسى قال : حدثنا ابن لهيعة قال : حدثنا عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده أن عبد الله بن سهل الأنصاري وجد مقتولا بخيبر ، عند قباء رجل من اليهود ، فأتوا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأراد عبد الرحمن بن سهل أن يتكلم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنه الكبر يا عبد الرحمن فيتكلم الأكبر ، فتكلم عمه فقال : يا رسول الله إنا وجدنا أخانا مقتولا عند قباء هذا اليهودي ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تقسمون خمسين يمينا أنه قتل صاحبكم فأدفعه إليكم برمته ، قالوا : كيف نقسم على ما لا علم لنا به ؟ فقال : يناقلونكم خمسين يمينا ما قتلوا صاحبكم ، فقالوا : يا رسول الله ، إنهم يهود ، ونحن مسلمون ، فكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل خيبر [ ص: 154 ] أن أدوا مائة من الإبل ، وإلا فئذنوا بحرب من الله ورسوله ، وأعانهم ببضع وثلاثين ناقة ، وهو أول دم كانت فيه القسامة .

قال أبو عمر :

في هذا الحديث من الفقه ضروب قد ذكرناها ، وذكرنا من تعلق بها من الفقهاء ، ومن خالفها ، وإلى ما خالفها من الأثر في باب يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار والحمد لله .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث