الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في رمي جمرة العقبة

جزء التالي صفحة
السابق

( ثم ) بعد الرمي ( ذبح إن شاء ) لأنه مفرد ( ثم قصر ) بأن يأخذ من كل شعره قدر الأنملة وجوبا وتقصير الكل مندوب والربع واجب [ ص: 516 ] ويجب إجراء الموسى على الأقرع وذي قروح إن أمكن وإلا سقط ، ومتى تعذر أحدهما لعارض تعين الآخر فلو لبده بصمغ بحيث تعذر التقصير تعين الحلق بحر ( وحلقه ) لكل ( أفضل ) ولو أزاله بنحو نورة جاز [ ص: 517 ] ( وحل له كل شيء إلا النساء ) قيل والطيب والصيد

التالي السابق


( قوله لأنه مفرد ) تعليل لما استفيد من التخيير بقوله إن شاء والذبح له أفضل ، ويجب على القارن والمتمتع ط ، وأما الأضحية فإن كان مسافرا فلا يجب عليه وإلا كالمكي فتجب كما في البحر ( قوله ثم قصر ) أي أو حلق كما دل عليه قوله وحلقه أفضل . قال في اللباب : ويستحب بعده أي بعد الحلق أو التقصير أخذ الشارب وقص الظفر ، ولو قص أظفاره أو شاربه أو لحيته أو طيب قبل الحلق عليه موجب جنايته وتمام تحقيقه في شرحه ( قوله بأن يأخذ إلخ ) قال في البحر : والمراد بالتقصير أن يأخذ الرجل والمرأة من رءوس شعر ربع الرأس مقدار [ ص: 516 ] الأنملة كذا ذكره الزيلعي ، ومراده أن يأخذ من كل شعرة مقدار الأنملة كما صرح به في المحيط . وفي البدائع قالوا : يجب أن يزيد في التقصير على قدر الأنملة حتى يستوفي قدر الأنملة من كل شعرة برأسه لأن أطراف الشعر غير متساوية عادة .

قال الحلبي في مناسكه وهو حسن ا هـ وفي الشرنبلالية : يظهر لي أن المراد بكل شعرة أي من شعر الربع على وجه اللزوم ومن الكل على سبيل الأولوية فلا مخالفة في الأجزاء لأن الربع كالكل كما في الحلق ا هـ فقول الشارح من كل شعرة أي من الربع لا من الكل وإلا ناقض ما بعده ، وقوله : وجوبا قيد لقدر الأنملة فلا يتكرر مع قوله : والربع واجب والأنملة بفتح الهمزة والميم وضم الميم لغة مشهورة ، ومن خطأ راويها فقد أخطأ واحدة الأنامل بحر . وفي تهذيب اللغات للنووي الأنامل أطراف الأصابع . وقال أبو عمر الشيباني والسجستاني والجري لكل أصبع ثلاث أنملات ( قوله ويجب إجراء الموسى على الأقرع ) هو المختار كما في الزيلعي والبحر واللباب وغيرها ، وقيل استحبابا قال في شرح اللباب وقيل استنانا وهو الأظهر . ا هـ . ( قوله وإلا سقط ) أي وإن لم يمكن إجراء الموسى عليه ولا يصل إلى تقصيره سقط عنه وحل بمنزلة من حلق ، والأحسن له أن يؤخر الإحلال إلى آخر الوقت من أيام النحر ، ولا شيء عليه إن لم يؤخر ، ولو لم يكن به قروح لكنه خرج إلى البادية فلم يجد آلة أو من يحلقه لا يجزئه إلا الحلق أو التقصير ، وليس هذا بعذر فتح لأن إصابة الآلة مرجوة في كل ساعة بخلاف برء القروح ولأن الإزالة لا تختص بالموسى أفاده في البحر ( قوله ومتى تعذر أحدهما ) أي الحلق والتقصير قال ط : والأحسن تأخير هذه الجملة عن قوله وحلقه أفضل . ا هـ . ( قوله فلو لبده إلخ ) مثال لتعذر التقصير ومثله ما لو كان الشعر قصيرا فيتعين الحلق ، وكذا لو كان معقوصا أو مضفورا كما عزي إلى المبسوط .

ووجهه أنه إذا نقضه تناثر بعض الشعر ، فيكون جناية على إحرامه قبل أن يحل منه فيتعين الحلق ، لكن قد يقال إن هذا التناثر غير جناية لأنه في وقت جواز إزالة الشعر بحلق أو غيره ، ولو نتفا منه أو من غيره كما يأتي فبقي ما في المبسوط مشكلا تأمل . ومثال تعذر الحلق يمنع إمكان التقصير أن يفقد آلة الحلق أو من يحلقه أو يضره الحلق لنحو صداع أو قروح برأسه وتقدم مثال تعذرهما جميعا في الأقرع وذي قروح شعره قصير ( قوله وحلقه أفضل ) أي هو مسنون وهذا في حق الرجل ، ويكره لمرأة لأنه مثلة في حقها كحلق الرجل لحيته وأشار إلى أنه لو اقتصر على حلق الربع جاز . كما في التقصير ، لكن مع الكراهة لتركه السنة فإن السنة حلق جميع الرأس أو تقصير جميعه كما في شرح اللباب والقهستاني ، قال في النهر : وإطلاقه أي إطلاق قول الكنز والحلق أحب يفيد أن حلق النصف أولى من التقصير ولم أره . ا هـ .

قلت : إن أراد أنه أولى من تقصير الكل فهو ممنوع لما علمت أو من تقصير النصف أو الربع فهو ممكن .

. [ تنبيه ]

هذا في غير المحصر ، أما المحصر فلا حلق عليه كما سيأتي بدائع ( قوله بنحو نورة ) كحلق ونتف ، وكذا لو قاتل غيره فنتفه أجزأ عن الحلق قصدا فتح .

. [ تنبيه ]

قالوا يندب البداءة بيمين الحالق لا المحلوق إلا ما في الصحيحين يفيد العكس ، وذلك { أنه صلى الله عليه وسلم قال للحلاق خذ وأشار إلى الجنب الأيمن ثم الأيسر ، ثم جعل يعطيه الناس } قال في الفتح : وهو الصواب وإن كان خلاف المذهب . ا هـ .

وأقول : يوافقه ما في الملتقط عن الإمام : حلقت رأسي فخطأني الحلاق في ثلاثة أشياء : لما أن جلست قال استقبل [ ص: 517 ] القبلة وناولته الجانب الأيسر فقال ابدأ بالأيمن ، فلما أردت أن أذهب قال ادفن شعرك فرجعت فدفنته . ا هـ . نهر أي فهذا يفيد رجوع الإمام إلى قول الحجام ، ولذا قال في اللباب هو المختار . قال شارحه كما في منسك ابن العجمي والبحر ، وقال في النخبة : وهو الصحيح ، وقد روي رجوع الإمام عما نقل عنه الأصحاب فصح تصحيح قوله الأخير واندفع ما هو المشهور عنه عند المشايخ . وقال السروجي وعند الشافعي يبدأ بيمين المحلوق وذكر كذلك بعض أصحابنا ، ولم يعزه إلى أحد والسنة أولى ، وقد صح بداءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشق رأسه الكريم من الجانب الأيمن وليس لأحد بعده كلام ، وقد أخذ الإمام بقول الحجام ولم ينكره ولو كان مذهبه خلافه لما وافقه ا هـ ملخصا ومثله في المعراج وغاية البيان ( قوله وحل له كل شيء ) أي من محظورات الإحرام كلبس المخيط وقص الأظفار ط وأفاد أنه لا يحل له بالرمي قبل الحلق شيء وهو المذهب عندنا كما في شرح اللباب للقاري عن الفارسي ، وفي شرحه على النقاية والرمي غير محلل من الإحرام عندنا في المشهور ، ومحلل عند مالك والشافعي وفي غير المشهور عندنا فقد نص على التحلل بالرمي عندنا في شرح المبسوط لخواهر زاده . وفي شرح الجامع الصغير لقاضي خان بقوله : وبعد الرمي قبل الحلق حل له كل شيء إلا النساء والطيب . وعن أبي يوسف أنه يحل له الطيب أيضا ا هـ ( قوله إلا النساء ) أي جماعهن ودواعيه ( قوله وقيل والطيب والصيد ) تبع في ذلك صاحب النهر فقد عزا إلى الخانية استثناء النساء والطيب وإلى أبي الليث استثناء الصيد ، وهو غير صحيح قاضي خان قال في فتاواه : فإذا حلق أو قصر حل له كل شيء إلا النساء وبعد الرمي قبل الحلق يحل له كل شيء إلا الطيب والنساء إلخ ومثله ما قدمناه عنه في شرحه عن الجامع الصغير ، فقد استثنى الطيب من الإحلال بالرمي لا من الإحلال بالحلق ، وهو مبني على خلاف المشهور كما علمته آنفا ، وقد ذكر الشرنبلالي عبارة الخانية ثم قال : وبهذا يعلم بطلان ما ينسب لقاضي خان من أن الحلق لا يحل به الطيب . ا هـ .

قلت : ويؤيده قوله في البدائع : وأما حكم الحلق فهو صيرورته حلالا يباح له جميع ما حظر عليه إلا النساء ، وهذا قول أصحابنا . وقال مالك : إلا النساء والطيب ، وقال الليث إلا النساء والصيد ا هـ ومثله في المعراج والسراج وغاية البيان فقد عزوا الأول إلى الإمام مالك فقط والثاني إلى الليث بن سعد أحد الأئمة المجتهدين ، فما في النهر من عزوه إلى أبي الليث وهو السمرقندي أحد مشايخ مذهبنا فهو تصحيف فافهم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث