الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الإسـلام دين توحـيد

التوحيد هـو المبدأ الإسلامي، الذي عليه ينبني قوام هـذا الدين، فقد جاء الإسلام، بتوحيد الله، وتوحيد الخلق، فالخليقة كل متكامل، لأنها من صنعة الواحد الأحد، كما جاء الإسلام بتوحيد الإنسانية، فالبشر يرتبطون جميعا، باعتبارهم مخلوقين، بخالقهم، فجوهر بناء وجود الأشخاص نقي، وخال من اعتـبار الخصـائص العرقـية والسـلالية.. وهو ما أشار إليه تعالى في قوله: ( يا أيها الـناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) (الحجرات:13) ،

فالتعصب العنصري، مثير بطبيعته للشقاق والفرقة، كما أن وحدة الإنسانية في الإسلام، مفادها، أن جميع أفرادها يشتركون، في تحمل الأمانة، أمانة الاستخلاف في الأرض، قصد تعميرها، وإصلاحها، عبادة لله.

وقد عد الله التفريـط في الوحـدة، موجـبا لعـذابه،

حين قال: ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) (آل عمران:105) ..

وجدير بالإشارة، أن هـذه المعتقدات، ليست معلقة، بدون قنوات، تمر بها إلى الواقع، بل يلفها نظام تشريعي شامل، ينزلها على واقع الناس، ويمكن لها فيه.

وهذه بعض معالم هـذا النظام: [ ص: 146 ]

الحض على الإخاء

فقد حض هـذا الدين أتباعه، بنصوص كثيرة، على أن يتآخوا، فجعل الإخاء ثمرة الإيمان في مثل قوله تعالى: ( إنما المؤمنون إخوة ) (الحجرات:10) ،

وقوله تعـالى: ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) (التوبة:71) :

وقال سـبحانه في حـض المؤمـنين على التآخي والتلاحم: ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) (الصف:4) ..

ولعل كون اسم هـذه السورة، التي وردت فيها هـذه الآية، سورة الصف، أمر له أبلغ الدلالات.

( وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تناجشوا... وكونوا عباد الله إخوانا ) [1] وفي حديث أخرجه الإمام أحمد ، ( عن زيد بن أرقم ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول دبر كل صلاة: اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أن محمدا عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة ) [2] وقد امتن الله عز وجل ، على رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن خلاله على المؤمنين، [ ص: 147 ] بأن ألف بين قلوبهم، فقـال عز من قائل: ( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ) (الأنفال:62-63) .

وبين صلى الله عليه وسلم أن الأخوة، في المجتمع الإسلامي، عامة وشاملة، حتى للسيد مع عبده، حيث قال: ( إخوانكم خولكم،جعلهم الله تحت أيديكم، ولو شاء جعلكم تحت أيديهم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، فإن كلفتموهم فأعينوهم ) [3] وقد أحاط الإسلام هـذه الأخوة، بمجموعة من التدابير الوقائية، فنهى عن السخرية، والتنابز بالألقاب، والإكثار من الظن، والتجسس، والغيبة، وهي أمور، كلها تفتت المجتمعات، وتخلخل بنيانها،

فقال سبـحانه: ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون * يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم ) (الحجرات:11-12) . [ ص: 148 ]

ونهى عن العصبية، وتبرأ من كل من يدعو إليها، فقد ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية ) [4] وحذر من مكائد غير المسلمين، ودسائسهم، للتفرقة فيما بينهم، فقد أورد غير واحد من المفسرين، أن أحد اليهود غاظه ما رأى عليه المسلمين، من الأوس والخزرج ، من ألفة، فألب بعضهم على بعض، حتى حملوا السلاح، وتواعدوا بالحرة، وكادوا يقتتلون، لولا رحمة الله،

فنزل قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين * وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هـدي إلى صراط مستقيم * يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) (آل عمران:100-103) . [ ص: 149 ]

وحـذر تعـالى من الفـرقة، والاختـلاف، فقـال سبحانه: ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) (آل عمران:105) .

وأمر تعالى باتباع صراطه المستقيم، فذلك طريق العصمة، من الفرقة، فقال سبحانه: ( وأن هـذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) (الأنعام:153) .

ونهى عن الخبائث، المفضية إلى الفرقة، والعدواة، فقال سبحانه: ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) (المائدة:91) .

وقال تعالى محرما السحر: ( فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ) (البقرة:102) .

كمـا أمر تعالى بإصلاح ذات البين، فقال جل شأنه: ( فاتقـوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) (الأنفال:1) . [ ص: 150 ]

وقال سبحانه: ( {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ) (الحجرات:10) .

( وعن أنس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لأبي أيوب ، رضي الله عنه : ألا أدلك على تجارة قال: بلى. قال: صل بين الناس، إذا تفاسدوا، وقرب بينهم، إذا تباعدوا ) [5] ( وعن أبي الدرداء ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم على أفضل من درجة الصيام والصدقة؟ إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هـي الحالقة... ) [6] ( ومن حديث عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر ) [7] ( وعن أبي أيوب ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان، فيعرض هـذا ويعرض هـذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) [8] [ ص: 151 ]

( وعن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: من سره بحبحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد ) [9] وتدخل في هـذا الإطار، كل الآيات والأحاديث، الآمرة بإفشاء السلام، وإطعام الطعام، وعيادة المريض، والتواسي والتكافل، فإنها كلها تحافظ على الوحدة في الأمة، وإنها لخيوط وإن بدت رفيعة، فإن بساط الوحدة، لا ينسج إلا بها جميعا.

وقد كان هـذا البعد الوحدوي، حاضرا عند فقهاء الأمة، وعلمائها، وهم ينظرون في مجال الفقه الإسلامي، وأصوله، ولعل في فهم الإمام الشافعي ، رحمه الله، لدليل الإجماع، والذي أدلى به في كتاب (الرسالة) ، مؤشرا على كون الوحدة، أصلا ضروريا، لا يمكن إدراك كنه شريعة هـذه الأمة، ولا طبيعتها، وبنيتها، إلا بالوقوف عليها، حيث قال رحمه الله:

إذا كانت سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعزب عن عامتهم، وقد تعزب عن بعضهم، ونعلم أن عامتهم لا تجتمع على خلاف، لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا خطأ، إن شاء الله، فإن قال: فهل من شيء يدل على ذلك، وتشد به ؟ قيل: أخبرنا سفيان بن عبد الملك بن عمير ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه، ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نضر الله عبدا سمع مقالتي، فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب [ ص: 152 ] حامل فقه لمن هـو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم، تحيط من ورائهم ) [10] أخبرنا سفيان ، عن عبد الله بن أبي لبيد ، ( عن سليمان بن يسار ، أن عمر بن الخطاب ، خطب الناس بالجابية، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قام فينا كمقامي فيكم، فقال: أكرموا أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكـذب، حتى إن الرجل ليحـلف ولا يسـتحلف، ويشـهد ولا يستشهد، فمن سره بحبحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد... ) الحديث [11] ، قال: فما معنى أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، بلزوم جماعتهم ؟ قلت: لا معنى له إلا واحد.. قال: فكيف لا يحتمل إلا واحدا ؟ قلت: إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان، فلا يقدر أحد، أن يلزم أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان، تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين، والأتقياء والفجار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى، لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبـدان، لا يصنـع شـيئا، فلم يكن للزوم جمـاعتهم معنى، إلا ما كان عليه جماعتهم، من التحلـيل والتحـريم، والطـاعة فيهـما... وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة، فلا يمكن فيها كافة غفلة، عن معنى كتاب، ولا سنة، ولا قياس، إن شاء الله [12] [ ص: 153 ]

وبالنظر إلى كل ما مر معنا، لا نتردد، في أن نقرر: أن حفظ الوحدة، هـي الضرورية السادسة، التي ينبغي، أن تنضاف إلى الضروريات الخمس المقررة، من لدن علماء الأمة، وهي: الحفاظ على، الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال.. فهذه ضروريات خمس، بالإضافة إلى ما مر معنا، من فرش تأصيلي، قد أثبت لنا الدرس التاريخي المر، أنه من غير الممكن الحفاظ عليها، إن لم نحافظ على الوحدة، بين كل أعضاء الأمة الإسلامية.. ويعجبني بهذا الصدد أن أستشهد بنص للمستشار طارق البشري حفظه الله، قال فيه: إن الاستعمار لم يحكمنا إلا بالتجزئة، أدرك ذلك وفعله، ونحن لن نتحرر إلا بالوحدة، أدركنا ذلك، ولم نقدر عليه، فحكومات التحرر الوطني، التي قامت، لم تستطع أن تقطع وثاق التبعية تماما، وعلى مستوى العروبة وحدها، صرنا اثنتين وعشرين دولة، أي اثنتين وعشرين قطعة، ناهيك عن بلاد المسلمين.

وخبراء العسكرية يجزمون -فيما أعلم- بأن الإمكانات الكاملة، لأي من أقطارنا، لا تمكن من بناء نظام دفاعي كامل، لأي قطر، وأن الأمن القومي، لكل من أقطارنا، يمتد خارج حدوده الإقليمية الضيقة، ونحن نعلم، أنه لا يقوم مشروع قومي، بدون أمن قومي.

وخبراء الاقتصاد، يستبعدون إمكان حدوث نهضة اقتصادية مسـتقلة، في الإطـار الإقليمي لأي من هـذه الأقطـار، ونحـن نعلم، أنه لا استقلال في السياسة، بدون استقلال في الاقتصاد، ومهما تكن وطنية الحاكمين، فإن المحددات الاقتصادية، والعسكرية، على إدارتهم السياسية، لا تمكنهم من إطلاق المشيئة الوطنية، إلى المدى الضروري. [ ص: 154 ]

إن التجزئة، سوت بيننا في التبعية، فكما أن الفقير من أقطارنا، يرسف في فقره، فإن الغني منها يرسف في غناه، وكما أن كثير السكان في أقطارنا، يعاني من كثرة السكان، فإن قليل السكان يعاني من هـذه القلة، ومن هـو في وضع سكاني متكافئ، ومتوازن، لا نجده في حال أفضل، من ذوي الكثرة، والقلة، وهكذا فإن كل عنصر، من عناصر وجودنا، قد وقع بالطريقة التي تجعله عنصر إضعاف، وليس عامل قوة [13]

لقد تلبست الفرقة بالمسلمين، حتى امتدت جذورها، في نفس كل فرد من أفراد الأمة، وإن التكافل، والتبني المتبادل، من لدن الناس، لهموم بعضهم بعضا، أمور، لا يمكن أن تتم، إلا إذا التأم شمل الناس، وتجانفوا عن الفردانية، واستبدلوا بها الوحدة، التي هـي العاصم، من كل أنواع الضعف، والانسحاق.

أما بعد:

فهذه جملة أسباب، ارتأيت، أنها كامنة وراء حالة التردي، التي اجتـاحت الأمـة، وجعلت أهلـها شيعا، كل حـزب بما لديهم فرحـون، لا يأبه بعضهم ببعض، ولا يتبنى بعضهم هـموم، ولا آلام، ولا آمال، بعض، مما مكن منهم أعداءهم، وجعلهم نهبا، لكل أنواع العلل، والأمراض الحضارية، وقد حرصت ما وسعني الجهد، ألا أذكر علة، ولا مرضا، إلا وذكرت معه ما إخاله أجنة حلول، تحتاج إلى دراسات إجرائية، من منطلق التنزيل، وفي أفق التقويم والتعديل.

والله المستعان. [ ص: 155 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث