الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة أول مشهد شهده رسول الله

[ ص: 547 ] المسألة الثانية :

روى أنس بن مالك قال : قال عمي أنس بن النضر : سميت به ، لم يشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر عليه ، فقال : أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه ، أما والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد ليرين الله ما أصنع . قال وهاب أن يقول غيرها . فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد من العام القابل ، فاستقبله سعد بن معاذ ، فقال : يا أبا عمرو ، أين ؟ قال : واها لريح الجنة ، إني أجدها من دون أحد ، فقاتل حتى قتل ، فوجد في جسده بضع وثمانون جراحة بين ضربة وطعنة ورمية .

قالت عمتي الربيع بنت النضر : فما عرفت أخي إلا ببنانه ، ونزلت هذه الآية . { رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا } .

وكذلك روى طلحة أن { أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل : سله عمن قضى نحبه منهم ، وكانوا لا يجترئون على مسألته ; يوقرونه ويهابونه فسأله الأعرابي ، فأعرض عنه ، ثم سأله عنه فأعرض عنه ، ثم إني اطلعت من باب المسجد ، وعلي ثياب خضر ، فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم قال : أين السائل عمن قضى نحبه ؟ قال الأعرابي : ها أنا ذا يا رسول الله . قال : هذا ممن قضى نحبه } النحب : النذر .

المسألة الثالثة : قال ابن وهب : قال مالك : سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان انتقل إليه سعد بن معاذ يوم الخندق حين أصابته الجراح في خص عنده في المسجد ، فكان فيه ، وكان جرحه ينفجر ، ثم يفيق منه ، فخرج منه دم كثير حتى سال في المسجد ، فمات منه .

وبلغني أن سعد بن معاذ مر بعائشة رضي الله عنها ونساء معها في الأطم الذي يقال له فارع ، وعليه درع مقلصة ، مشمر الكمين ، وبه أثر صفرة وهو يرتجز :


لبث قليلا يشهد الهيجا حمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل

[ ص: 548 ] فقالت عائشة : إني لست أخاف أن يصاب سعد اليوم إلا من أطرافه ، فأصيب في أكحله .

قال القاضي : فروي أن الذي أصابه عاصم بن قيس بن العرقة ، فلما أصابه قال : خذها مني وأنا ابن العرقة .

فقال له سعد : عرق الله وجهك في النار ، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه ، اللهم إن كنت وضعت الحرب بيني وبينهم فاجعله شهادة لي ، ولا تميتني حتى تقر عيني من بني قريظة .

وقد روي أن الذي أصابه أبو أسامة يعني الجشمي ; قال في ذلك شعرا لعكرمة بن أبي جهل :


أعكرم هلا لمتني إذ تقول لي     فداك بآطام المدينة خالد
ألست الذي ألزمت سعدا منية     لها بين أثناء المرافق عاقد
قضى نحبه منها سعيد فأعولت     عليه مع الشمط العذارى النواهد
وأنت الذي دافعت عنه وقد دعا     عبيدة جمعا منهم إذ يكايد
على حين ما هو جائر عن طريقه     وآخر مدعو على القصد قاصد



وقد روي غير ذلك .

وروى ابن وهب ، وابن القاسم عن مالك ، قالت عائشة : ما رأيت رجلا أجمل من سعد بن معاذ ، حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصيب في أكحله ، ثم قال : اللهم إن كان حرب قريظة لم يبق منها شيء فاقبضني إليك ، وإن كان قد بقيت منها بقية فأبقني حتى أجاهد مع رسولك أعداءه .

فلما حكم في بني قريظة توفي ، ففرح الناس بذلك ، وقالوا : نرجو أن تكون قد استجيبت دعوته .

قال ابن وهب ، وقال مالك : وقال سعد : اللهم إنك تعلم أني كنت أحب أن يقتلني قوم بعثت فيهم نبيك فكذبوه وأخرجوه ، فإن كنت تعلم أن الحرب قد بقيت بيننا [ ص: 549 ] وبينهم فأبقني ، وإن كنت تعلم أنه لم يبق منها شيء فاقبضني إليك . فلما توفي سعد تباشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك .

وقال ابن القاسم : حدثني يحيى بن سعيد : لقد نزل بموت سعد بن معاذ سبعون ألف ملك ما نزلوا الأرض قبلها .

وقال مالك : قوله : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } يعني في رجوعه من الخندق .

وقال ابن وهب عنه : { كانت وقعة الخندق في برد شديد ، وما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر يوم الخندق إلى حين غابت الشمس } .

وقال ابن القاسم عنه : لما انصرف عن الخندق وضع السلاح ولا أدري اغتسل أم لا ، فأتاه جبريل فقال : يا محمد ; أتضعون اللأمة قبل أن تخرجوا إلى قريظة ; لا تضعوا السلاح حتى تخرجوا إلى بني قريظة . فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ألا يصلي أحد صلاة العصر إلا في بني قريظة } .

فصلى بعض الناس لفوات الوقت ، ولم يصل بعض ، حتى لحقوا بني قريظة ; اتباعا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فهذه الآيات التسع عشرة نزلن في شأن الأحزاب بما اندرج فيها من الأحكام مما قد بيناه في موضعه ، وشرحناه عند وروده ، فلم يكن لتكراره معنى ، وما خرج عن ظاهر القرآن فهو من الحديث يشرح في موضعه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث