الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان "

[ ص: 373 ] القول في تأويل قوله ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يا بني آدم ، لا يخدعنكم الشيطان فيبدي سوآتكم للناس بطاعتكم إياه عند اختباره لكم ، كما فعل بأبويكم آدم وحواء عند اختباره إياهما فأطاعاه وعصيا ربهما ، فأخرجهما - بما سبب لهما من مكره وخدعه - من الجنة ، ونزع عنهما ما كان ألبسهما من اللباس ، ليريهما سوآتهما بكشف عورتهما ، وإظهارها لأعينهما بعد أن كانت مستترة .

وقد بينا فيما مضى أن معنى " الفتنة " ، الاختبار والابتلاء ، بما أغنى عن إعادته .

وقد اختلف أهل التأويل في صفة " اللباس " الذي أخبر الله جل ثناؤه أنه نزعه عن أبوينا ، وما كان .

فقال بعضهم : كان ذلك أظفارا .

ذكر من لم يذكر قوله فيما مضى من كتابنا هذا في ذلك :

14451 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن عكرمة : ( ينزع عنهما لباسهما ) ، قال : لباس كل دابة منها ، ولباس الإنسان الظفر ، فأدركت آدم التوبة عند ظفره أو قال : أظفاره .

14452 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبد الحميد الحماني ، عن [ ص: 374 ] نضر أبي عمر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : تركت أظفاره عليه زينة ومنافع ، في قوله : ( ينزع عنهما لباسهما ) .

14453 - حدثني أحمد بن الوليد القرشي قال ، حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير قال ، أخبرنا مخلد بن الحسين ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس في قوله : ( ينزع عنهما لباسهما ) ، قال : كان لباسهما الظفر ، فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما ، وتركت الأظفار تذكرة وزينة .

14454 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن سماك ، عن عكرمة في قوله : ( ينزع عنهما لباسهما ) ، قال : كان لباسه الظفر ، فانتهت توبته إلى أظفاره .

وقال آخرون : كان لباسهما نورا .

ذكر من قال ذلك :

14455 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن وهب بن منبه : ( ينزع عنهما لباسهما ) ، النور .

14456 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة قال ، حدثنا عمرو قال ، سمعت وهب بن منبه يقول في قوله : ( ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ) ، قال : كان لباس آدم وحواء نورا على فروجهما ، لا يرى هذا عورة هذه ، ولا هذه عورة هذا . [ ص: 375 ]

وقال آخرون : إنما عنى الله بقوله : ( ينزع عنهما لباسهما ) ، يسلبهما تقوى الله .

ذكر من قال ذلك :

14457 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا مطلب بن زياد ، عن ليث ، عن مجاهد : ( ينزع عنهما لباسهما ) ، قال : التقوى .

14458 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن ليث ، عن مجاهد : ( ينزع عنهما لباسهما ) ، قال : التقوى .

14459 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن ليث ، عن مجاهد ، مثله .

قال أبو جعفر : والصواب من القول في تأويل ذلك عندي أن يقال : إن الله تعالى حذر عباده أن يفتنهم الشيطان كما فتن أبويهم آدم وحواء ، وأن يجردهم من لباس الله الذي أنزله إليهم ، كما نزع عن أبويهم لباسهما . " اللباس " المطلق من الكلام بغير إضافة إلى شيء في متعارف الناس ، وهو ما اجتاب فيه اللابس من أنواع الكسى ، أو غطى بدنه أو بعضه .

وإذ كان ذلك كذلك ، فالحق أن يقال : إن الذي أخبر الله عن آدم وحواء من لباسهما الذي نزعه عنهما الشيطان ، هو بعض ما كانا يواريان به أبدانهما وعورتهما . أخبرنا [ ص: 376 ] وقد يجوز أن يكون ذلك كان ظفرا ويجوز أن يكون كان ذلك نورا ويجوز أن يكون غير ذلك ولا خبر عندنا بأي ذلك تثبت به الحجة ، فلا قول في ذلك أصوب من أن يقال كما قال جل ثناؤه : ( ينزع عنهما لباسهما ) .

وأضاف جل ثناؤه إلى إبليس إخراج آدم وحواء من الجنة ، ونزع ما كان عليهما من اللباس عنهما ، وإن كان الله جل ثناؤه هو الفاعل ذلك بهما عقوبة على معصيتهما إياه ، إذ كان الذي كان منهما في ذلك عن تسنية ذلك لهما بمكره وخداعه ، فأضيف إليه أحيانا بذلك المعنى ، وإلى الله أحيانا بفعله ذلك بهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث