الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في غير أولي الإربة

جزء التالي صفحة
السابق

باب في غير أولي الإربة [ ص: 138 ] عن أم سلمة { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عندها وفي البيت مخنث ، فقال لعبد الله بن أبي أمية أخي أم سلمة : يا عبد الله إن فتح الله عليكم في الطائف فإني أدلك على ابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يدخلن هؤلاء عليكم } متفق عليه ) .

2654 - ( وعن عائشة قالت : { كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث ، قالت : وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة ، قال : إذا أقبلت أقبلت بأربع ، وإذا أدبرت أدبرت بثمان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أرى هذا يعرف ما ههنا لا يدخلن عليكم هذا ، فحجبوه } رواه أحمد ومسلم وأبو داود وزاد في رواية له : وأخرجه وكان بالبيداء يدخل كل جمعة يستطعم ) وعن الأوزاعي في هذه القصة { : فقيل : يا رسول الله إنه إذن يموت من الجوع ؟ فأذن له أن يدخل في كل جمعة مرتين فيسأل ثم يرجع - } رواه أبو داود

التالي السابق


قوله : ( مخنث ) بفتح النون وكسرها والفتح المشهور : وهو الذي يلين في قوله ويتكسر في مشيته ويتثنى فيها كالنساء ، وقد يكون خلقة وقد يكون تصنعا من الفسقة ، ومن كان ذلك فيه خلقة فالغالب من حاله أنه لا أرب له في النساء ، ولذلك كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يعددن هذا المخنث من غير أولي الإربة ، وكن لا يحجبنه إلا إن ظهر منه ما ظهر من هذا الكلام

واختلف في اسمه ، فقال القاضي : الأشهر أن اسمه هيت بكسر الهاء ثم تحتية ساكنة ثم فوقية ، وقيل : صوابه هنب بالنون والباء الموحدة قاله ابن درستويه ، وقال : إن ما سواه تصحيف وإنه الأحمق المعروف ، وقيل : اسمه ماتع بالمثناة فوق : مولى فاختة المخزومية بنت عمرو بن عائذ . قوله : ( تقبل بأربع وتدبر بثمان ) المراد بالأربع هي العكن جمع عكنة ، وهي الطية التي تكون في البطن من كثرة السمن ، يقال : تعكن البطن : إذا صار ذلك فيه ، ولكل عكنة طرفان ، فإذا رآهن الرائي من جهة البطن وجدهن أربعا وإذا رآهن من جهة الظهر وجدهن ثمانيا وقال ابن حبيب عن مالك : معناه أن أعكانها ينعطف بعضها على بعض ، وهي في بطنها أربع طرائق وتبلغ أطارفها إلى خاصرتها ، [ ص: 139 ] وفي كل جانب أربع ، قال الحافظ : وتفسير مالك المذكور تبعه فيه الجمهور وحاصله أنه وصفها بأنها مملوءة البدن بحيث يكون لبطنها عكن وذلك لا يكون إلا للسمينة من النساء ، وجرت عادة الرجال في الرغبة فيمن تكون بتلك الصفة

وقيل : الأربع هي الشعب التي هي اليدان والرجلان ، والثمان : الكتفان والمتنتان والأليتان والساقان ، ولا يخفى ضعف ذلك لأن كل امرأة فيها ما ذكر فلا وجه لجعله من صفات المدح المقصودة في المقام قوله : ( هؤلاء ) إشارة إلى جميع المخنثين وروى البيهقي أنه كان المخنثون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة : مانع ، وهدم وهيت

قوله : ( من غير أولي الإربة ) الإربة والإرب : الحاجة والشهوة . قيل : ويحتمل أنهم التابعون الذين يتبعون الرجل ليصيبوا من طعامه ولا حاجة لهم إلى النساء لكبر أو تخنيث أو عنة . قوله : ( أرى هذا . . . إلخ ) بفتح الهمزة والراء قال القرطبي : هذا يدل أنهم كانوا يظنون أنه لا يعرف شيئا من أحوال النساء ولا يخطر له ببال ، ويشبه أن التخنيث كان فيه خلقة وطبيعة ولم يعرف منه إلا ذلك ، ولهذا كانوا يعدونه من غير أولي الإربة قوله : ( وأخرجه ) لفظ البخاري : { أخرجوهم من بيوتكم قال : فأخرج فلانا وفلانا } ورواه البيهقي وزاد " وأخرج عمر مخنثا " وفي رواية " وأخرج أبو بكر آخر "

قال العلماء : إخراج المخنث ونفيه كان لثلاثة معان : أحدها : أنه كان يظن أنه من غير أولي الإربة ثم لما وقع منه ذلك الكلام زال الظن والثاني : وصفه النساء ومحاسنهن وعوراتهن بحضرة الرجال ، وقد نهي أن يصف المرأة زوجها فكيف إذا وصفها غيره من الرجال لسائرهم ؟ الثالث : أنه ظهر له منه أنه كان يطلع النساء وأجسامهن وعوراتهن على ما لا يطلع عليه كثير من النساء

قوله : ( فيسأل ثم يرجع ) أي يسأل الناس شيئا ثم يرجع إلى البادية ، والبيداء بالمد : القفر ، وكل صحراء فهي بيداء كأنها تبيد سالكها أي تكاد تهلكه وفي ذلك دليل جواز العقوبة بالإخراج من الوطن لما يخاف من الفساد والفسق ، وجواز الإذن بالدخول في بعض الأوقات للحاجة



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث