الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الأول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 59 ] بسم الله الرحمن الرحيم الحديث الأول عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه . رواه البخاري ومسلم .

التالي السابق


هذا الحديث تفرد بروايته يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن علقمة بن أبي وقاص الليثي ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، [ ص: 60 ] وليس له طريق تصح غير هذا الطريق ، كذا قال علي بن المديني وغيره . وقال الخطابي : لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في ذلك ، مع أنه قد روي من حديث أبي سعيد وغيره ، وقد قيل إنه قد روي من طرق كثيرة ، لكن لا يصح من ذلك شيء عند الحفاظ . ثم رواه عن الأنصاري الخلق الكثير والجم الغفير ، فقيل : رواه عنه أكثر من مائتي راو ، وقيل : رواه عنه سبعمائة راو ، ومن أعيانهم : مالك ، والثوري ، [ ص: 61 ] والأوزاعي ، وابن المبارك ، والليث بن سعد وحماد بن زيد ، وشعبة ، وابن عيينة ، وغيرهم . واتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول ، وبه صدر البخاري كتابه " الصحيح " وأقامه مقام الخطبة له ، إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله ، فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا ولا في الآخرة ، ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي : لو صنفت كتابا في الأبواب ، لجعلت حديث عمر بن الخطاب في الأعمال بالنيات في كل باب ، وعنه أنه قال : من أراد أن يصنف كتابا ، فليبدأ بحديث " الأعمال بالنيات " . وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها ، فروي عن الشافعي أنه قال : هذا الحديث ثلث العلم ، ويدخل في سبعين بابا من الفقه . وعن الإمام أحمد قال : أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث : حديث عمر : إنما الأعمال بالنيات وحديث عائشة : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وحديث النعمان بن بشير : الحلال بين والحرام بين . وقال الحاكم : حدثونا عن عبد الله بن أحمد ، عن أبيه أنه ذكر قوله عليه الصلاة والسلام : الأعمال بالنيات وقوله : إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ، وقوله : من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد فقال : ينبغي أن يبدأ بهذه الأحاديث في كل تصنيف ، فإنها أصول الأحاديث [ ص: 62 ] وعن إسحاق بن راهويه قال : أربعة أحاديث هي من أصول الدين : حديث عمر : إنما الأعمال بالنيات ، وحديث : الحلال بين والحرام بين ، وحديث إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه ، وحديث : من صنع في أمرنا شيئا ليس منه فهو رد . وروى عثمان بن سعيد ، عن أبي عبيد ، قال : جمع النبي صلى الله عليه وسلم جميع أمر الآخرة في كلمة : من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ، وجمع أمر الدنيا كله في كلمة : إنما الأعمال بالنيات يدخلان في كل باب . وعن أبي داود ، قال نظرت في الحديث المسند ، فإذا هو أربعة آلاف حديث ، ثم نظرت ، فإذا مدار أربعة آلاف حديث على أربعة أحاديث : حديث النعمان بن بشير : الحلال بين والحرام بين ، وحديث عمر : إنما الأعمال بالنيات ، وحديث أبي هريرة : إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين الحديث ، وحديث : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه . قال : فكل حديث من هذه ربع العلم . وعن أبي داود أيضا ، قال كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث ، انتخبت منها ما تضمنه هذا الكتاب - يعني كتاب " السنن " - جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث ، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث : أحدها : قوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات ، والثاني : قوله صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، والثالث : قوله صلى الله عليه وسلم لا يكون المؤمن مؤمنا حتى لا [ ص: 63 ] يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه ، والرابع : قوله صلى الله عليه وسلم : الحلال بين والحرام بين . وفي رواية أخرى عنه أنه قال : الفقه يدور على خمسة أحاديث : الحلال بين والحرام بين ، وقوله صلى الله عليه وسلم : لا ضرر ولا ضرار ، وقوله الأعمال بالنيات ، وقوله الدين النصيحة ، وقوله : ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم . وفي رواية عنه ، قال : أصول السنن في كل فن أربعة أحاديث : حديث عمر الأعمال بالنيات ، وحديث : الحلال بين والحرام بين ، وحديث : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، وحديث : ازهد في الدنيا يحبك الله ، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس . وللحافظ أبي الحسن طاهر بن مفوز المعافري الأندلسي :

عمدة الدين عندنا كلمات أربع من كلام خير البريه     اتق الشبهات وازهد ودع ما
ليس يعنيك واعملن بنيه

فقوله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات ، وفي رواية : الأعمال بالنيات . وكلاهما يقتضي الحصر على الصحيح ، وليس غرضنا هاهنا توجيه ذلك ، ولا بسط القول فيه . وقد اختلف في تقدير قوله : الأعمال بالنيات ، فكثير من المتأخرين يزعم [ ص: 64 ] أن تقديره : الأعمال صحيحة أو معتبرة ومقبولة بالنيات ، وعلى هذا فالأعمال إنما أريد بها الأعمال الشرعية المفتقرة إلى النية ، فأما ما لا يفتقر إلى النية كالعادات من الأكل والشرب ، واللبس وغيرها ، أو مثل رد الأمانات والمضمونات ، كالودائع والغصوب ، فلا يحتاج شيء من ذلك إلى نية ، فيخص هذا كله من عموم الأعمال المذكورة هاهنا . وقال آخرون : بل الأعمال هاهنا على عمومها ، لا يخص منها شيء . وحكاه بعضهم عن الجمهور ، وكأنه يريد به جمهور المتقدمين ، وقد وقع ذلك في كلام ابن جرير الطبري ، وأبي طالب المكي وغيرهما من المتقدمين ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد . قال في رواية حنبل : أحب لكل من عمل عملا من صلاة ، أو صيام ، أو صدقة ، أو نوع من أنواع البر أن تكون النية متقدمة في ذلك قبل الفعل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات ، فهذا يأتي على كل أمر من الأمور . وقال الفضل بن زياد : سألت أبا عبد الله - يعني أحمد - عن النية في العمل ، قلت كيف النية ؟ قال : يعالج نفسه ، إذا أراد عملا لا يريد به الناس . وقال أحمد بن داود الحربي : قال حدث يزيد بن هارون بحديث عمر : الأعمال بالنيات ، وأحمد جالس ، فقال أحمد ليزيد : يا أبا خالد ، هذا الخناق . وعلى هذا القول فقيل : تقدير الكلام : الأعمال واقعة أو حاصلة بالنيات ، فيكون إخبارا عن الأعمال الاختيارية أنها لا تقع إلا عن قصد من العامل هو سبب عملها ووجودها ، ويكون قوله بعد ذلك : وإنما لكل امرئ ما نوى إخبارا عن حكم الشرع ، وهو أن حظ العامل من عمله نيته ، فإن كانت صالحة ، فعمله صالح ، فله أجره ، وإن كانت فاسدة ، فعمله فاسد ، فعليه وزره . ويحتمل أن يكون التقدير في قوله : الأعمال بالنيات : الأعمال صالحة ، [ ص: 65 ] أو فاسدة ، أو مقبولة ، أو مردودة ، أو مثاب عليها ، أو غير مثاب عليها بالنيات ، فيكون خبرا عن حكم شرعي ، وهو أن صلاح الأعمال وفسادها بحسب صلاح النيات وفسادها ، كقوله : صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالخواتيم أي : إن صلاحها وفسادها وقبولها وعدمه بحسب الخاتمة . وقوله بعد ذلك : وإنما لكل امرئ ما نوى إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه به ، فإن نوى خيرا حصل له خير ، وإن نوى به شرا حصل له شر ، وليس هذا تكريرا محضا للجملة الأولى ، فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده ، والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة ، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة ، وقد تكون نيته مباحة ، فيكون العمل مباحا ، فلا يحصل له ثواب ولا عقاب ، فالعمل في نفسه صلاحه وفساده وإباحته بحسب النية الحاملة عليه ، المقتضية لوجوده ، وثواب العامل وعقابه وسلامته بحسب النية التي بها صار العمل صالحا ، أو فاسدا ، أو مباحا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث