الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة تقارب الأقراء أو تباعدها

جزء التالي صفحة
السابق

1994 - مسألة : وسواء فيما ذكرنا تقارب الأقراء أو تباعدها - لا حد في ذلك - إلا أنه لا تصدق المرأة في ذلك إذا أنكر الزوج قولها ، إلا بأربع عدول من النساء عالمات ، يشهدن أنها حاضت حيضا أسود ثم طهرت منه - هكذا ثلاثة أقراء - أو بشهادة امرأتين كذلك مع يمينها ; لأن الله عز وجل لم يحد في ذلك حدا ، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم { وما كان ربك نسيا } .

ومن الباطل المتيقن أن يكون تعالى أراد أن يكون للأقراء مقدار لا يكون أقل منه ثم يسكت عن ذلك ؟ ليكلفنا علم الغيب الذي حجبه عنا ، أو يكلنا إلى الظنون الكاذبة ، والأقوال الفاسدة التي لا يشك في بطلانها .

وأما أن لا تصدق في ذلك إذا أنكر الزوج - فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بالبينة على من ادعى ، وهي مدعية بطلان حق ثابت لزوجها في رجعتها - أحبت أم كرهت - فلا تصدق إلا ببينة عدل .

- : [ ص: 57 ] روينا من طريق وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي ، قال : جاءت امرأة إلى علي بن أبي طالب قد طلقها زوجها فادعت أنها حاضت ثلاثة حيض في الشهر ؟ فقال علي لشريح : قل فيها ؟ فقال شريح : إن جاءت ببينة - ممن يرضى دينه ، وأمانته - من بطانة أهلها أنها حاضت في شهر ثلاثا : طهرت عند كل قرء وصلت ، فهي صادقة ؟ وإلا فهي كاذبة ، فقال علي : قالون - يعني : أصبت بالرومية .

- ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة قال : إن امرأة طلقت فحاضت في نحو من أربعين ليلة ثلاث حيض ، فاختصموا إلى شريح فرفعهم إلى علي بن أبي طالب ؟ فقال علي : إن شهد أربعة من نسائها أن حيضها كان هكذا أبانت منه ، وإلا فلتعتد ثلاث حيض في ثلاثة أشهر .

ومن طريق الحجاج بن المنهال أنا أبو عوانة عن المغيرة عن إبراهيم النخعي في امرأة حاضت في شهر أو أربعين ليلة ثلاث حيض ؟ قال : إذا شهدت لها العدول من النساء أنها قد رأت ما يحرم عليها الصلاة من طموث النساء الذي هو الطموث المعروف ، فقد خلا أجلها قال أبو محمد : هذا كله قولنا - وقد رويت رواية نذكرها - إن شاء الله تعالى - : روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة - قال سفيان الثوري : عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق ، وعن أبي بن كعب - وقال ابن عيينة - عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير ، قالا جميعا : من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها .

[ ص: 58 ] ومن طريق وكيع عن حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن سليمان بن يسار : أنه ذكر عنده النساء ؟ فقال : لم نؤمر بفتحهن ؟ قال أبو محمد : صدق أبي رضي الله عنه وعبيد بن عمير : في أن المرأة اؤتمنت على فرجها ، وكذلك الرجل أيضا : كل أحد موكل في دينه الذي يغيب عن الناس به إلى أمانته - وليس في هذا ما يوجب تصديقها على إبطال حق زوجها في الرجعة ; لقول الله تعالى : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } وكذلك قول سليمان بن يسار " لم نؤمر بفتح النساء " قول صحيح ما نازعه في ذلك أحد ، وتكليفها البينة على أنها حاضت كتكليف البينة على عيوب النساء الباطنة ولا فرق ؟ .

قال أبو محمد : ثم اختلف هؤلاء ، فروي عن أبي حنيفة : لا تصدق في انقضاء العدة في أقل من ستين يوما ولا تصدق النفساء في أقل من خمسة وثمانين يوما .

وقال أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وسفيان في أحد قوليه - ومالك - في موجب أقواله - لا تصدق في انقضاء العدة في أقل من تسعة وثلاثين يوما .

قال أبو محمد : هذا أقيس على أصولهم ; لأنه يجعلها مطلقة في آخر طهرها ، ثم ثلاث حيض ، كل حيضة من ثلاثة أيام - وهو أقل الحيض عندهم - وطهران ، كل طهر خمسة عشر يوما - وهو أقل الطهر عندهم .

واختلفوا في النفساء - فقال أبو يوسف : لا أصدقها في أقل من خمسة وستين يوما .

وقال محمد بن الحسن : لا أصدقها في أقل من أربعة وخمسين يوما وساعة .

وقال الحسن بن حي : لا أصدق المعتدة بالأقراء في أقل من خمسة وأربعين يوما .

وقال الأوزاعي : لا أصدقها في أقل من أربعين يوما .

وقال أبو عبيد : إن لم تأت ببينة لم تصدق في أقل من ثلاثة أشهر .

وعلى أحد أقوال الشافعي : لا تصدق في أقل من اثنين وثلاثين يوما ، وبعض يوم ; لأن أقل الحيض عنده في هذا القول يوم ، ، وأقل الطهر خمسة عشر يوما .

[ ص: 59 ] قال أبو محمد : قال الله عز وجل : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } .

فصح - أن هذه الاختلافات ليست من عند الله عز وجل لا شك في ذلك ، وإذ ليست من عند الله فليست بشيء ، وإنما أتوا في ذلك لتحديدهم أقل الحيض ، وأقل الطهر ، ومن الباطل تحديد شيء لم يحده الله عز وجل فهو شرع لم يأذن به الله تعالى .

فإن قالوا : قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : { تحيض في علم الله ستا أو سبعا } .

قلنا : لا يصح ، ولو صح لكان عليكم لا لكم ; لأنكم لا تقولون بهذا التحديد ، في أقل الحيض ولا في أكثر .

فإن قالوا : صح أنه عليه الصلاة والسلام قال : { انظري عدد الأيام والليالي التي كنت ، تحيضين } ؟ قلنا : لا شك في أنه عليه الصلاة والسلام إنما أمر بذلك من كانت تحيض أياما وليالي - وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام قال : { إذا أتاك قرؤك فلا تصلي ، فإذا مر القرء فتطهري ، ثم صلي من القرء إلى القرء } فلم يجعل عليه الصلاة والسلام لذلك حدا لا يكون أقل منه .

فصح أن ذلك الخبر لمن لها أيام وليالي معروفة .

فهذا الآخر لمن لم يبلغ الليالي ولا الأيام : كل خبر على ظاهره دون تكليف تأويل فاسد ، أو ترك أحدهما للآخر - وبالله تعالى التوفيق .

فإن قيل : إن الله تعالى جعل ثلاثة أشهر بإزاء ثلاثة أقراء ؟ [ ص: 60 ] قلنا : نعم ، وليس ذلك بموجب أنه لا يكون قرء في أقل من شهر ، ولا في أكثر منه ، وأنتم أول مبطل لهذه الحجة ، لأنكم تجيزون كون قرءين في شهر واحد ، وتجيزون أن يكون قرء واحد أكثر من ثلاثة أشهر - فبطل كل ما شغبوا به .

فإن قالوا : لا تظهر البراءة من الرحم في نصف شهر فأقل ؟ قلنا : ولا في ثلاثة أشهر ، وكلكم يجعل العدة تتم بالأقراء في أقل من ثلاثة أشهر - .

وأما مالك فإنه قال : الحيض متى ظهر - : تركت الصلاة والصوم ، وحرم وطؤها على زوجها - فمتى رأت الطهر منه صلت ، وصامت وحلت لزوجها ، إلا أن ذلك لا يكون طهرا تعتد به في العدة .

قال أبو محمد : وهذا في غاية الفساد ، إذ من المحال أن يكون حيضا وطهرا يحيل حكم الصلاة ، والصيام ; وإباحة الوطء وتحريمه ، ولا يكون حيضا وطهرا يعد قرءا في العدة - هذا قول لا خفاء بفساده ; لأنه خلاف للقرآن والسنن ، ولقول كل من سلف .

وما نعلم لأبي حنيفة ، ومالك ، أنهما تعلقا في هذه المسألة بقول أحد من السلف ، فوجب الرجوع إلى كلام الله عز وجل وبيان رسوله صلى الله عليه وسلم .

فوجدناه تعالى قال : { ثلاثة قروء } ولم يحد في ذلك بعدد أيام لا تتجاوز : { وما كان ربك نسيا } .

وأمر عليه الصلاة والسلام - إذا أقبلت الحيضة - أن تدع الصلاة ، فإذا أدبرت صلت ، وصامت ، وحلت لبعلها .

وقال عليه الصلاة والسلام : { دم الحيض أسود يعرف فإذا أقبل فدعي الصلاة } ولم يحد عليه الصلاة والسلام حدا ، فلا يجوز لأحد التحديد في ذلك إلا أنه إن أنكر زوجها ذلك لم تصدق إلا ببينة عدل كما ذكرنا .

وكذلك إن ادعى الزوج أن عدتها قد تمت وقالت : هي لم تتم - فالزوج غير مصدق إلا ببينة ، وهي مصدقة مع يمينها ; لأنها مدعى عليها ، وبالله تعالى التوفيق .

[ ص: 61 ] قال أبو محمد : وقد شغب بعضهم في تصديقها في انقضاء عدتها بقول الله تعالى : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } قال أبو محمد : وليس في هذه الآية دليل على وجوب تصديقها ، ولا ندري من أين وقع لهم أن هذه الآية توجب تصديقها ؟ وقد روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال : لا يحل لها أن تقول : أنا حبلى - وليست حبلى - ولا لست حبلى - وهي حبلى - ولا أنا حائض - وليست حائضا - ولا لست حائضا - وهي حائض - وعن عطاء قال : الولد لا تكتمه ، ولا أدري لعل الحيضة معه .

قال أبو محمد : المدعية أنها قد أتمت عدتها لم تكتم شيئا خلقه الله تعالى في رحمها ، إنما ادعت أنه تعالى قد خلق حيضها ، وهي إما كاذبة وإما صادقة فلا مدخل لها فيما في الآية من تحريم كتمان ما خلق الله في رحمها - وليس في أن ذلك لا يحل لها ما يسقط حق الزوج الذي أوجبه الله تعالى في الرجعة .

[ ص: 62 ] قال أبو محمد : ولو ادعت أنها حامل ، وأنكر الزوج ذلك عرض عليها من القوابل من لا يشك في عدالتهن أربع ، ولا بد .

فإن شهدن بحملها قضى بما يوجبه الحمل ، وإن شهدن بأن لا حمل بها بطلت دعواها - فلو شهدن - بحملها ثم صح أنهن كذبن أو أوهمن قضى عليها برد ما أخذت من الزوج من نفقة وكسوة - ، وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث