الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثامن والثلاثون قال الله تعالى من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 330 ] الحديث الثامن والثلاثون . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى قال من عادى لي وليا ، فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته ، كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، . رواه البخاري .

التالي السابق


هذا الحديث تفرد بإخراجه البخاري دون بقية أصحاب الكتب ، خرجه عن محمد بن عثمان بن كرامة ، حدثنا خالد بن مخلد ، حدثنا سليمان بن بلال ، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر الحديث بطوله ، وزاد في آخره : وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته . وهو من غرائب " الصحيح " تفرد به ابن كرامة عن خالد ، وليس في " مسند أحمد " مع أن خالد بن مخلد القطواني تكلم فيه أحمد وغيره ، وقالوا : له مناكير ، وعطاء الذي في إسناده قيل : إنه ابن أبي رباح ، وقيل : إنه ابن يسار ، وإنه وقع في بعض نسخ " الصحيح " منسوبا كذلك . [ ص: 331 ] وقد روي هذا الحديث من وجوه أخر لا تخلو كلها عن مقال فرواه عبد الواحد بن ميمون أبو حمزة مولى عروة بن الزبير عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من آذى لي وليا ، فقد استحل محاربتي ، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء فرائضي ، وإن عبدي ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته ، كنت عينه التي يبصر بها ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وفؤاده الذي يعقل به ، ولسانه الذي يتكلم به ، إن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن موته ، وذلك أنه يكره الموت وأنا أكره مساءته . خرجه ابن أبي الدنيا وغيره ، وخرجه الإمام أحمد بمعناه . وذكر ابن عدي أنه تفرد به عبد الواحد هذا عن عروة ، وعبد الواحد هذا قال فيه البخاري : منكر الحديث ، ولكن خرجه الطبراني : حدثنا هارون بن كامل ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا إبراهيم بن سويد المدني ، حدثني أبو حرزة يعقوب بن مجاهد ، أخبرني عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره . وهذا إسناده جيد ، ورجاله كلهم ثقات مخرج لهم في " الصحيح " سوى شيخ الطبراني ، فإنه لا يحضرني الآن معرفة حاله ، ولعل الرواي قال : حدثنا أبو حمزة ، يعني عبد الواحد بن ميمون ، فخيل للسامع أنه قال : أبو حرزة ، ثم سماه [ ص: 332 ] من عنده بناء على وهمه والله أعلم . وخرج الطبراني وغيره من رواية عثمان بن أبي عاتكة ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يقول الله عز وجل : من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ، ابن آدم ، إنك لن تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضت عليك ، ولا يزال عبدي يتحبب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فأكون قلبه الذي يعقل به ، ولسانه الذي ينطق به ، وبصره الذي يبصر به ، فإذا دعاني أجبته ، وإذا سألني أعطيته ، وإذا استنصرني نصرته ، وأحب عبادة عبدي إلي النصيحة . عثمان وعلي بن يزيد ضعيفان . قال أبو حاتم الرازي في هذا الحديث : هو منكر جدا . وقد روي من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف ، خرجه الإسماعيلي في " مسند علي " . وروي من حديث ابن عباس بسند ضعيف ، وخرجه الطبراني ، وفيه زيادة في لفظه ، ورويناه من وجه آخر عن ابن عباس وهو ضعيف أيضا . وخرجه الطبراني وغيره من حديث الحسن بن يحيى الخشني ، عن صدقة بن عبد الله الدمشقي ، عن هشام الكناني ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، عن جبريل ، عن ربه تعالى قال : من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ، وما [ ص: 333 ] ترددت عن شيء أنا فاعله ما ترددت في قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت ، وأكره مساءته ، ولا بد له منه ، وإن من عبادي المؤمنين من يريد بابا من العبادة ، فأكفه عنه لا يدخله عجب ، فيفسده ذلك ، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتنفل إلي حتى أحبه ، ومن أحببته ، كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا ، دعاني فأجبته ، وسألني فأعطيته ، ونصح لي فنصحت له ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ، ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ، وإن بسطت له أفسده ذلك ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة ، ولو أسقمته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته ، لأفسده ذلك ، إني أدبر عبادي بعلمي بما في قلوبهم ، إني عليم خبير . والخشني وصدقة ضعيفان ، وهشام لا يعرف ، وسئل ابن معين عن هشام هذا : من هو ؟ قال : لا أحد ، يعني : لا يعتبر به . وقد خرج البزار بعض الحديث من طريق صدقة عن عبد الكريم الجزري ، عن أنس . وخرج الطبراني من حديث الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة ، عن زر بن حبيش ، سمعت حذيفة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى أوحى إلي : يا أخا المرسلين ، ويا أخا المنذرين أنذر قومك لا يدخلوا بيتا من بيوتي ولأحد عندهم مظلمة ، فإني ألعنه ما دام قائما بين يدي يصلي حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها ، فأكون سمعه الذي يسمع به ، وأكون بصره الذي يبصر به ، ويكون من أوليائي وأصفيائي ، ويكون جاري من النبيين والصديقين والشهداء في الجنة . وهذا إسناد جيد وهو غريب جدا . [ ص: 334 ] ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري ، وقد قيل : إنه أشرف حديث روي في ذكر الأولياء . قوله عز وجل : من عادى لي وليا ، فقد آذنته بالحرب يعني : فقد أعلمته بأني محارب له ، حيث كان محاربا لي بمعاداة أوليائي ، ولهذا جاء في حديث عائشة : فقد استحل محاربتي وفي حديث أبي أمامة وغيره : فقد بارزني بالمحاربة ، وخرج ابن ماجه بسند ضعيف عن معاذ بن جبل ، سمع النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول : إن يسير الرياء شرك ، وإن من عادى لله وليا ، فقد بارز الله بالمحاربة ، وإن الله تعالى يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء ، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ، وإذا حضروا لم يدعوا ، ولم يعرفوا ، [ قلوبهم ] مصابيح الهدى ، يخرجون من كل غبراء مظلمة . فأولياء الله تجب موالاتهم ، وتحرم معاداتهم ، كما أن أعداءه تجب معاداتهم ، وتحرم موالاتهم ، قال تعالى : لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء [ الممتحنة : 1 ] ، وقال : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون [ المائدة : 55 - 56 ] ، ووصف أحباءه الذين يحبهم ويحبونه بأنهم أذلة على المؤمنين ، أعزة على الكافرين ، وروى الإمام أحمد في كتاب " الزهد " بإسناده عن وهب بن منبه ، قال : إن الله تعالى قال لموسى عليه [ ص: 335 ] السلام حين كلمه : اعلم أن من أهان لي وليا أو أخافه ، فقد بارزني بالمحاربة ، وبادأني وعرض نفسه ودعاني إليها ، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي ، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي ؟ أو يظن الذي يعازني أن يعجزني ؟ أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني ؟ وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة ، فلا أكل نصرتهم إلى غيري " .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث