الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في الوليمة

وحدثني يحيى عن مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه أثر صفرة فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه تزوج فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كم سقت إليها فقال زنة نواة من ذهب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم ولو بشاة [ ص: 241 ]

التالي السابق


[ ص: 241 ] 21 - باب ما جاء في الوليمة

هي طعام النكاح ، وقيل طعام الإملاك خاصة ، قاله عياض ، مشتقة من الولم وهو الجمع لأن الزوجين يجتمعان .

1157 1137 - ( مالك ، عن حميد الطويل ) الخزاعي البصري ( عن أنس بن مالك : أن عبد الرحمن بن عوف ) قال ابن عبد البر : هو من مسند أنس عند جميع رواة الموطأ ، ورواه روح بن عبادة عن مالك عن حميد عن أنس عن عبد الرحمن أنه جاء فجعله من مسند عبد الرحمن ( جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبه أثر صفرة ) تعلقت بجلده أو ثوبه من طيب العروس هذا أولى ما فسر به . وفي حديث : وبه درع من زعفران أي أثره ، وليس بداخل في النهي عن تزعفر الرجل ; لأنه فيما قصد به التشبه بالنساء ، وقيل يرخص فيه للعروس ، وفيه أثر ذكره أبو عبيد : أنهم كانوا يرخصون فيه للشاب أيام عرسه ، وقيل : لعله - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر عليه لأنه يسير ، وقيل : كان من ينكح أول الإسلام يلبس ثوبا مصبوغا بصفرة علامة للسرور ، وهذا غير معروف ، على أن بعضهم جعله أولى ما قيل ، ومذهب مالك وأصحابه جواز الثياب المزعفرة للرجال ، وحكاه مالك عن علماء المدينة ، وهو مذهب ابن عمر وغيره ، وحجتهم حديث ابن عمر : " كان - صلى الله عليه وسلم - يصبغ بالصفرة " . وحكى ابن شعبان كراهة ذلك في اللحية ، وكرهه الشافعي وأبو حنيفة في الثياب واللحية ، قاله عياض . وقال الباجي : روى الداودي أن عمر بن الخطاب كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلئ ثيابه من الصفرة ، وقال : " إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبغ بها ولم يكن شيء أحب إليه منها ، وأنه كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى العمامة " . قال الباجي : وهذا في الزعفران ، وأما بغيره مما ليس بطيب ولا ينفض على الجسد فلا خلاف في جوازه . ( فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) فقال : ما هذا ؟ وفي رواية : فقال مهيم ؟ أي : ما هذا ؟ وكلاهما في الصحيح . قال عياض : فيه افتقاد الكبير أصحابه وسؤاله عما يختلف عليه من حالهم ، وليس من كثرة السؤال المنهي عنه ، قال الأبي : هذا بناء على أنه ليس سؤال إنكار . وقال الطيبي : يحتمل أنه إنكار لأنه كان نهى عن التضمخ بالطيب ، فأجابه بأنه لم يتضمخ به وإنما تعلق به من العروس .

( فأخبر أنه تزوج ) زاد في رواية : امرأة من الأنصار ، [ ص: 242 ] قال الحافظ : ولم تسم ، إلا أن الزبير بن بكار جزم بأنها ابنة أبي الحيسر ، بفتح المهملتين بينهما تحتية ساكنة آخره راء ، واسمه أنس بن رافع الأنصاري ، وأنها ولدت له القاسم وأبا عثمان عبد الله ( فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كم سقت إليها ؟ ) مهرا ، وفي رواية : كم أصدقتها ؟ . وفيه أنه لا بد في النكاح من المهر ، وقد يشعر ظاهره احتياجه إلى تقدير لأن " كم " موضوعة له ، ففيه حجة للمالكية والحنفية في أن أقل الصداق مقدر . ( فقال ) سقت إليها ( زنة نواة من ذهب ) قال ابن وهب والخطابي والأكثر : هي خمسة دراهم من ذهب ، فالنواة اسم لمقدار معروف عندهم ، وقال أحمد بن حنبل : النواة ثلاثة دراهم وثلث ، وقيل : المراد نواة التمر أي وزنها من ذهب ، والأول أظهر وأصح .

وقال بعض أصحاب مالك : النواة بالمدينة ربع دينار ، وظاهر كلام أبي عبيد أنه دفع خمسة دراهم ولم يكن ثم ذهب إنما هي خمسة دراهم تسمى نواة كما تسمى الأربعون أوقية ، قاله عياض . قال الزواوي : لكن قوله " من ذهب " يبعد أن تكون خمسة دراهم فضة إلا أن يكون التقدير صرف زنة نواة من ذهب ، ويكون زنتها حينئذ من الذهب صرفها خمسة دراهم . وذلك غير بعيد فإن الصرف كان في زمانهم عشرة دراهم بدينار ، ولا يبعد أن يكون من النوى ما زنته نصف مثقال ، ويكون ذلك هو المصطلح على الوزن به عندهم اهـ . لكن ضعف ابن دقيق العيد والطيبي القول بأنه نوى التمر بأن زنتها لا تضبط ولا يعتد بها ، قال عياض : قيل زنة نواة من ذهب ثلاثة دراهم وربع ، وأراد قائله أن يحتج به على أنه أقل الصداق ، ولا يصح لقوله " من ذهب " وذلك أكثر من دينارين ، وهذا لم يقله أحد وهو غفلة من قائله ، بل فيه حجة لمن يقول : لا يكون أقل من عشرة دراهم ، ووهم الداودي رواية " من ذهب " وقال : الصحيح نواة ، ولا وهم فيه على كل تفسير ، لأنها إن كانت نواة تمر كما قال أو قدرا معلوما عندهم صلح أن يقال : فيه وزن كذا ، وما ذكره من ثلاثة دراهم وربع ووهمه ذكره أبو عمر عن بعض أصحاب مالك ، ووهمه أيضا بأنه لا خلاف أن المثقال درهمان عددا ودرهم الفضة كيلا ، درهم وخمسان ووزن ثلاثة دراهم وربع من ذهب أكثر من مثقالين من الذهب .

قال الزواوي : وهذا الذي ذكراه يصح الانفصال عنه بأن معناه صرفها ثلاثة دراهم وربع كما قلنا في تقدير نواة ، ولا بعد في هذا للمتأمل مع ما فيه من نفي الوهم عن إمام من أصحاب مالك ، قال : ويصح حمل الحديث على ظاهره بأنه أصدقها ذهبا زنته نواة ، والنواة وزن معروف هو خمسة دراهم فضة ، وذلك ثمن أوقية لأنها أربعون درهما ، ولا مانع من ذلك مع أنه ظاهر الحديث ، ولا يحتاج إلى ذكر الصرف ولا التأويل اهـ . وهو حسن . وقال الطيبي وابن دقيق العيد : في المعنى قولان أحدهما : أن الصداق ذهب وزنه خمسة دراهم فيكون ثلاثة مثاقيل ونصف . والثاني : أنه دراهم خمسة بوزن نواة من ذهب . قال الطيبي : وهذا بعيد من اللفظ . قال ابن دقيق العيد : وعلى الأول [ ص: 243 ] يتعلق قوله من ذهب بلفظ زنة ، وعلى الثاني بنواة . قال ابن فرحون : أما تعلقه بزنة فلأنه مصدر وزن ، وأما تعلقه بنواة فيصح أنه من تعلق الصفة بالموصوف ، أي نواة كائنة من ذهب ، ويكون المراد ما عدلها دراهم أو يكون هو الموزون بها . ( فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) زاد في رواية للصحيح : فبارك الله لك ( أولم ) أمر ندب على المشهور عن مالك والشافعي ، وقيل للوجوب لحديث : " من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله " . قال المازري : ولا حجة فيه ; لأن العصيان في ترك الإجابة لا في ترك الوليمة ، ولا بعد في أن الدعوة لا تجب والإجابة واجبة كالسلام لا يجب الابتداء به ورده واجب . وأجاب بعض أصحابنا البغداديين بأن العصيان مخالفة الأمر والمندوب مأمور به اهـ . والأول الصواب لاقتضاء الثاني أنه لا يأثم بالترك ، وإن أطلق عليه اسم العصيان مع أنه إثم ( ولو بشاة ) لو تقليلية لا امتناعية ، قال عياض : فيه التوسعة فيها للواجد بذبح وغيره ، وأن الشاة لأهل الجدة أقل ما يكون لا التحديد ، وأنه لا يجزي أقل منها لمن لم يجدها بل على طريق الحض والإرشاد ، ولا خلاف أنه لا حد لها وهي بقدر حال الرجل ، وأخذ بعضهم من الحديث أنها بعد الدخول ، وقال بعضهم : لا دليل فيه والأول أظهر ، وقاله مالك وغيره ، ووجهه شهرة الدخول لما يتعلق به من الحقوق ، وللفرق بين النكاح والسفاح ، وعن مالك جوازها قبل الدخول ، وعن ابن حبيب استحبابها ثم العقد وعند البناء ، واستحبها بعض شيوخنا قبل البناء ليكون الدخول بها ، واختلف السلف في تكرارها أكثر من يومين بالإجازة والكراهة ، واستحب أصحابنا لأهل السعة أسبوعا ، قال بعضهم : وذلك إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله ، وكرهوا فيها المباهاة والسمعة اهـ .

وقال الباجي : أمر - صلى الله عليه وسلم - بالوليمة لما فيها من إشهار النكاح مع ما يقترن بها من مكارم الأخلاق . قال ابن مزين عن مالك : استحب الإطعام في الوليمة وكثرة الشهود ليشتهر النكاح وتثبت معرفته . وروى أشهب عن مالك : لا بأس أن يولم بعد البناء ، قيل : فمن أخر إلى السابع ؟ قال : فليجب وليس كالوليمة . ابن حبيب : " كان - صلى الله عليه وسلم - يستحب الإطعام على النكاح عند عقده " . ولفظ " عند " يحتمل قبله وبعده وكيفما كان ، فليس فيه منع ، لكن تقديم إشهاره قبل " أفضل " كالإشهاد ، ويحتمل أن مالكا قال بعده لمن فاته قبل ، أو لعله اختاره لأن فيه معنى الرضا بما اطلع عليه الزوج من حال الزوجة ، والمباح من الوليمة ما جرت به العادة من غير سرف ولا سمعة ، والمختار منها يوم واحد ، قال ابن حبيب : وأبيح أكثر منه ، وروي أن اليوم الثاني فضل والثالث سمعة ، وأجاب الحسن في الأول والثاني ولم يجب في الثالث ، وروي عن ابن المسيب مثله . وأولم ابن سيرين ثمانية أيام ، قال ابن حبيب : من وسع الله عليه فليولم من يوم بنائه إلى مثله ، يريد إذا قصد إشهار النكاح والتوسعة على الناس لا السمعة والمباهاة . وهذا الحديث رواه البخاري عن عبد الله [ ص: 244 ] بن يوسف عن مالك به ، وتابعه سفيان بن عيينة عند البخاري ، وشعبة عند مسلم ، كلاهما عن حميد نحوه ، وله طرق في الصحيحين وغيرهما ، وفيه قصة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث