الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الخامس والأربعون إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 445 ] الحديث الخامس والأربعون . عن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة يقول : إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل : يا رسول الله ، أرأيت شحوم الميتة ، فإنه يطلى بها السفن ، ويدهن بها الجلود ، ويستصبح بها الناس ؟ قال : لا ، هو حرام ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : قاتل الله اليهود ، إن الله حرم عليهم الشحوم ، فأجملوه ، ثم باعوه ، فأكلوا ثمنه خرجه البخاري ومسلم . [ ص: 446 ]

التالي السابق


[ ص: 446 ] هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين " من حديث يزيد بن أبي حبيب ، عن عطاء ، عن جابر . وفي رواية لمسلم أن يزيد قال : كتب إلي عطاء ، فذكره ، ولهذا قال أبو حاتم الرازي : لا أعلم يزيد بن أبي حبيب سمع من عطاء شيئا ، يعني أنه إنما يروي عنه كتابه ، وقد رواه أيضا يزيد بن أبي حبيب ، عن عمرو بن الوليد بن عبدة ، عن عبد الله بن عمر وعن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه . وفي " الصحيحين " عن ابن عباس قال : بلغ عمر أن رجلا باع خمرا ، فقال : قاتله الله ، ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قاتل الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم ، فجملوها فباعوها ، وفي رواية : وأكلوا أثمانها . وخرجه أبو داود من حديث عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ، وزاد فيه : وإن الله إذا حرم أكل شيء ، حرم عليهم ثمنه ، وخرجه ابن أبي شيبة ، ولفظه : إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : قاتل الله يهودا ، حرمت عليهم الشحوم ، فباعوها وأكلوا ثمنها . وفي " الصحيحين " عن عائشة ، قالت : لما أنزلت الآيات من آخر سورة البقرة ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاقترأهن على الناس ، ثم نهى عن التجارة في الخمر ، وفي رواية لمسلم : لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا ، خرج [ ص: 447 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، فحرم التجارة في الخمر . وخرج مسلم من حديث أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله حرم الخمر ، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء ، فلا يشرب ولا يبع . فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة ، فسفكوها . وخرجه أيضا من حديث ابن عباس أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل علمت أن الله قد حرمها ؟ قال : لا ، قال : فسار إنسانا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بم ساررته ؟ قال : أمرته ببيعها ، قال : إن الذي حرم شربها حرم بيعها ، قال : ففتح المزاد حتى ذهب ما فيها . فالحاصل من هذه الأحاديث كلها أن ما حرم الله الانتفاع به ، فإنه يحرم بيعه وأكل ثمنه ، كما جاء مصرحا به في الرواية المتقدمة : إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه ، وهذه كلمة عامة جامعة تطرد في كل ما كان المقصود من الانتفاع به حراما ، وهو قسمان : أحدهما : ما كان الانتفاع به حاصلا مع بقاء عينه ، كالأصنام ، فإن منفعتها المقصودة منها الشرك بالله ، وهو أعظم المعاصي على الإطلاق ، ويلتحق بذلك ما كانت منفعته محرمة ، ككتب الشرك والسحر والبدع والضلال ، وكذلك الصور المحرمة ، وآلات الملاهي المحرمة كالطنبور ، وكذلك شراء الجواري للغناء . [ ص: 448 ] وفي " المسند " عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين ، وأمرني أن أمحق المزامير والكنارات - يعني البرابط والمعازف - والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية ، وأقسم ربي بعزته لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر إلا سقيته مكانها من حميم جهنم ، معذبا أو مغفورا له ، ولا يسقيها صبيا صغيرا إلا سقيته مكانها من حميم جهنم معذبا أو مغفورا له ، ولا يدعها عبد من عبيدي من مخافتي إلا سقيتها إياه في حظيرة القدس ، ولا يحل بيعهن ولا شراؤهن ، ولا تعليمهن ، ولا تجارة فيهن ، وأثمانهن حرام [ يعني ] المغنيات . وخرجه الترمذي ، ولفظه : لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ، ولا تعلموهن ، ولا خير في تجارة فيهن ، وثمنهن حرام ، في مثل ذلك أنزل الله : ومن الناس من يشتري لهو الحديث [ لقمان : 6 ] الآية ، وخرجه ابن ماجه أيضا ، وفي إسناد الحديث مقال ، وقد روي نحوه من حديث عمر وعلي بإسنادين فيهما ضعف أيضا . ومن يحرم الغناء كأحمد ومالك ، فإنهما يقولان : إذا بيعت الأمة المغنية ، تباع على أنها ساذجة ، ولا يؤخذ لغنائها ثمن ، ولو كانت الجارية ليتيم ، ونص ذلك أحمد ، ولا يمنع الغناء من أصل بيع العبد والأمة ؛ لأن الانتفاع به في غير الغناء حاصل بالخدمة وغيرها ، وهو من أعظم مقاصد الرقيق . نعم ، لو علم [ ص: 449 ] أن المشتري لا يشتريه إلا للمنفعة المحرمة منه ، لم يجز بيعه له عند الإمام أحمد وغيره من العلماء ، كما لا يجوز بيع العصير ممن يتخذه خمرا ، ولا بيع السلاح في الفتنة ، ولا بيع الرياحين والأقداح لمن يعلم أنه يشرب عليها الخمر ، أو الغلام لمن يعلم منه الفاحشة . والقسم الثاني : ما ينتفع به مع إتلاف عينه فإذا كان المقصود الأعظم منه محرما ، فإنه يحرم بيعه كما يحرم بيع الخنزير والخمر والميتة ، مع أن في بعضها منافع غير محرمة ، كأكل الميتة للمضطر ، ودفع الغصة بالخمر ، وإطفاء الحريق به ، والخرز بشعر الخنزير عند قوم ، والانتفاع بشعره وجلده عند من يرى ذلك ، ولكن لما كانت هذه المنافع غير مقصودة ، لم يعبأ بها ، وحرم البيع بكون المقصود الأعظم من الخنزير والميتة أكلهما ، ومن الخمر شربها ، ولم يلتفت إلى ما عدا ذلك ، وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى لما قيل له : أرأيت شحوم الميتة ، فإنها يطلى بها السفن ، ويدهن بها الجلود ، ويستصبح بها الناس ، فقال : لا ، هو حرام .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث