الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة المحكم والمتشابه

جزء التالي صفحة
السابق

وقال الأستاذ أبو منصور : اختلفوا في إدراك علم المتشابه ، فقال كثير من أصحابنا المتكلمين والفقهاء كالحارث والقلانسي : إنه لا يعلم تأويله إلا [ ص: 192 ] الله ، ووقفوا على قوله { إلا الله } وذهب أبو الحسن الأشعري والمعتزلة إلى أنه لا بد أن يكون في جملة الراسخين من يعلم المتشابه ، ووقفوا على قوله : { والراسخون في العلم } قال : والقول الأول أصح عندنا ، لأنه قول الصحابة ، مثل ابن عباس ، وابن مسعود وأبي بن كعب ، وهو اختيار أبي عبيد ، والأصمعي ، وأحمد بن يحيى النحوي ، وبه نقول .

قال : وتدخل الحروف المقطعة في أوائل السور في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله . وأقوال المتأولين لها متعارضة ليس بعضها أولى من بعض ا هـ .

وحكى الخلاف أيضا أستاذه الأستاذ أبو إسحاق ، ثم قال : ولا يجري هذا الخلاف في أحكام الشريعة ، إذ ليس شيء منها إلا وعرف بيانه وليس في السنة ما يشاكله . وما اختاره الأستاذ أبو منصور حكاه البغوي في تفسيره " عن الأكثرين من الصحابة والتابعين والنحويين وأيده بقراءة ابن مسعود : " إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به " .

وقال عمر بن عبد العزيز : انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا : آمنا به كل من عند ربنا .

قال البغوي : وهذا القول أحسن في العربية وأشبه بظاهر الآية . ا هـ ، وقطع به الزبيري من كبار أئمتنا في أول كتابه " المسكت " ، فقال : دلت الآية على أن من القرآن شيئا غيبه الله عن خلقه ليلزمهم النقص في أنفسهم ، لأنهم لا يبلغون من الأمر إلا ما قدر الله لهم ، وقد بين ذلك في كتابه ، فقال : { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } انتهى . [ ص: 193 ]

ورجح الشيخ أبو إسحاق الشيرازي القول الثاني ، وقال : ليس في القرآن شيء استأثره الله بعلمه ، بل وقف العلماء عليه ، لأن الله تعالى أورد هذا مدحا للعلماء فلو كانوا لا يعرفون معناه لشاركوا العامة وبطل مدحهم وكذلك صححه سليم الرازي في " التقريب " واستدل بقوله تعالى : { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت } قال : فأخبر أن الكتاب كله فصلت آياته وبينت ، وبقوله صلى الله عليه وسلم : { وبينهما متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس } فدل على أن القليل من الناس يعلمها وهم الراسخون ، وقال ابن الحاجب : والظاهر الوقف على { والراسخون في العلم } ، لأن الخطاب بما لا يفهم بعيد .

قلت : وحكاه القاضي أبو المعالي شيد له في كتاب " البرهان " عن أكثر القراء والنحاة ، واختاره .

قال : وهو مذهب ابن مسعود وأبي بن كعب ، وهذا عكس حكاية الأستاذ والبغوي لكن حكاه ابن السمعاني عن شرذمة قليلة قال : واختاره العيني قال : وقد كان يعتقد مذهب السنة لكنه سها في هذه المسألة قال : ولا غرو فلكل جواد كبوة ، ولكل عالم هفوة . قال : وقد نقل عن مجاهد ، ولا أعلم تحققه .

وقال ابن برهان في كلامه على معاني الحروف : الوقف التام على قوله : " إلا الله " ثم ابتدأ بالراسخين ، وتوسط القفال الشاشي فقال في آخر كتابه في أصول الفقه : القولان محتملان ولا ينكر أن يكون في المتشابه ما لا يعلم ، ويكون الغرض منه الإيمان ، وأنه من عند الله . وقال الغزالي في المنخول : [ ص: 194 ] وقف أبو عبيدة على قوله : " إلا الله " ، وليس هذا من غرض الأصولي ، وغرضنا أن التشابه في الآيات المتضمنة للتكليف محال ، ويبين المقصود منه رسم المسألة في آية الاستواء

قال مالك : لما سئل عنه : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة .

وقال سفيان بن عيينة : يفهم منه ما يفهم من قوله : { ثم استوى إلى السماء } وقد تحزب الناس فيه ، فضل قوم أجروه على الظاهر ، وفاز من قطع بنفي الاستقرار ، وإن تردد في مجمله ورآه فلا يعاب عليه .

قال : وتكليف تعليم الأدلة على نفي الاستقرار لا نراه واجبا على الآحاد بل يجب على شخص في كل إقليم أن يقوم ليدفع البدع إذا ثارت . انتهى .

وقيل : الراسخون يعلمون على الجملة والله يعلم على التفصيل ، وبهذا يصح القولان جميعا ولا يتنافيان ، وهو الذي يعضده الدليل ، لأن الصحابة قد خاضوا في التأويل .

والمختار الوقف على { إلا الله } لوجوه .

أحدها : أنه قول الجمهور بل لم يذهب إلى الوقف على { والراسخون في العلم } إلا شرذمة قليلة من الناس كما قاله ابن السمعاني . [ ص: 195 ]

الثاني : أن " أما " في لغة العرب لتفصيل المجمل فلا بد أن يذكر في سياقه قسمان : إما لفظا ، وهو الأكثر وإما تقديرا ، وسببه إما الاستغناء بذكر أحد القسمين عن الآخر ، كقوله تعالى : { فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين } ولم يذكر القسم الآخر لدلالة المذكور عليه ، فكأنه قال : وأما من لم يؤمن ولم يعمل صالحا فلا يصلح أن يكون من المفلحين ، وإما بكلام يذكر بعدها في موضع ذلك كهذه الآية فإنه سبحانه قال : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله } فهذا تمام القسم الأول المذكور في سياق " أما " فاقتضى وضع اللغة ذكر قسم آخر فكان تقديره ، وأما غيرهم فيؤمنون به ويكلون معناه إلى ربهم ودل على ذلك قوله { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } أي من المحكم والمتشابه من عند الله ، والإيمان بهما واجب ، وكأنه قيل وأما الراسخون في العلم فيقولون ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة البقرة : { فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا } .

الثالث : أنه الواو في قوله : " والراسخون " وإن احتملت أن تكون غير عاطفة غير أنها هاهنا استئنافية من وجوه :

أحدها : أنه لو أراد العطف ، لقال : " ويقولون آمنا به " عطفا ليقولون على يعلمون المضمر ، إذ التقدير ، وما يعلم تأويله إلا الله ، والراسخون في العلم يعملون ويقولون آمنا به ، فأما قولهم : إن " يقولون " جملة حالية مع إضمار فعلها العامل فيها ، فلو جاز هذا لجاز " عبد الله راكبا " بمعنى أقبل ، وهو ممتنع ، ولذلك لا يجوز ، والراسخون قائلون بتقدير يعلمونه قائلين . [ ص: 196 ]

الثاني : ما روى عبد الرزاق في تفسيره " عن ابن طاوس عن أبيه قال : كان ابن عباس يقرؤها " وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون آمنا به " فهذه القراءة مبينة إجمال الواو في الآية ، وأنها استئنافية لا عاطفة ، ثم إن كان ابن عباس سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم فهي تفسير منه للآية ، وإن لم يكن فهو مرجح ، لأنها قول صحابي ، وتفسير الصحابي عند المحدثين في حكم المرفوع .

الثالث : في ترجيح كونها استئنافية أن بتقدير ذلك تكون الجملة حالا ، والحال فضلة خارجة عن ركن الجملة ، وكون الجملة ركنا أقوى من كونها فضلة ، وإذا دار أمر اللفظة بين أقوى الحالين وأضعفهما كان حمله على الأقوى أولى .

الوجه الرابع : أن الآية دلت على ذم مبتغي المتشابه ، إذ وصفوا بزيغ القلوب وابتغاء الفتنة ، وقد صرحت السنة بذمهم ففي الصحيحين مرفوعا : { إذا رأيتم الذين يبتغون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم } .

الخامس : أن قوله : { والراسخون في العلم يقولون آمنا به } يدل على تفويض وتسليم لما لم يقفوا على حقيقة المراد به ، وهو من قبيل الإيمان بالغيب الذي مدح الله أهله ، وهو ظاهر في التسليم لمراد الله ، وإن كان لا ينافي فهمهم المراد به .

واحتج من قال : إن الواو للعطف بأن تسميتهم الراسخين في العلم يقتضي علمهم بتأويل المتشابه وإلا لم يكن لهم فضيلة على غيرهم ، نعم من المتشابه ما يعلم الراسخون منه ، ومنه ما استأثر الله بعلمه كالروح ووقت الساعة . [ ص: 197 ]

وأجيب بأن المراد بالراسخين في العلم ، الراسخون في العلم بالله ومعرفته وأنه لا سبيل للوقوف على كنه ذاته وصفاته وأفعاله بغيره ، كما حكى عن الصديق أنه قال : العجز عن درك الإدراك إدراك ، وقد قيل :

حقيقة المرء ليس المرء يدركها فكيف كيفية الجبار في القدم



ثم قيل : النزاع في المسألة لفظي ، لأن من قال بأن الراسخ في العلم يعلم تأويله ، أراد به أنه يعلم ظاهرا لا حقيقة ، ومن قال لا يعلم به أنه لا يعلمه حقيقة وإنما ذلك إلى الله ، والحكمة في إنزال المتشابه ابتلاء العقلاء .

وقال السهيلي : اختلف الناس في الوقف عند قوله : { إلا الله } والمختار عند مذهب ثالث ، وهو قول ابن إسحاق أن الكلام تم عند قوله : { إلا الله } وقوله : { والراسخون } مبتدأ ولكن لا نقول : لا يعلمون تأويله بل يعلمونه برد المتشابه إلى المحكم ، وبالاستدلال على الخفي بالجلي ، وعلى المختلف فيه بالمتفق عليه ، فيتفق بذلك الحجة ، والله تعالى يعلم تأويله بالعلم القديم لا بتذكر ولا تفكر ولا دليل ، والراسخون يعلمونه بالتذكر والتدبر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث