الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم

( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين )

قوله تعالى : ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين )

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : أن كفار قريش تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمدا بالرسالة والوحي ، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك التعجب . أما بيان كون الكفار تعجبوا من هذا التخصيص فمن وجوه :

الأول : قوله تعالى : ( أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ) [ ص : 5 و 6 ] وإذا بلغوا في الجهالة إلى أن تعجبوا من كون الإله تعالى واحدا ، لم يبعد أيضا أن يتعجبوا من تخصيص الله تعالى محمدا بالوحي والرسالة .

والثاني : أن أهل مكة كانوا يقولون : إن الله تعالى ما وجد رسولا إلى خلقه إلا يتيم أبي طالب .

والثالث : أنهم قالوا : ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) [ الزخرف : 31 ] وبالجملة فهذا التعجب يحتمل وجهين :

أحدهما : أن يتعجبوا من أن يجعل الله بشرا رسولا ، كما حكى عن الكفار أنهم قالوا : ( أبعث الله بشرا رسولا ) [ الإسراء : 94 ] .

والثاني : أن لا يتعجبوا من ذلك بل يتعجبوا من تخصيص محمد عليه الصلاة والسلام بالوحي والنبوة مع كونه فقيرا يتيما ، فهذا بيان أن الكفار تعجبوا من ذلك . وأما بيان أن الله تعالى أنكر عليهم هذا التعجب فهو قوله في هذه الآية : ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ) فإن قوله : ( أكان للناس عجبا ) لفظه لفظ الاستفهام ، ومعناه الإنكار لأن يكون ذلك عجبا .

وإنما وجب إنكار هذا التعجب لوجوه :

الأول : أنه تعالى مالك الخلق وملك لهم ، والمالك والملك هو الذي له الأمر والنهي والإذن والمنع . ولا بد من إيصال تلك التكاليف إلى أولئك المكلفين بواسطة بعض العباد . وإذا كان الأمر كذلك كان إرسال الرسول أمرا غير ممتنع ، بل كان مجوزا في العقول .

الثاني : أنه تعالى خلق الخلق للاشتغال بالعبودية كما قال : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) [ الذاريات : 56 ] وقال : ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ) [ الإنسان : 2 ] وقال : ( قد أفلح من تزكى وذكر ) [ ص: 6 ] ( اسم ربه فصلى ) [ الأعلى : 14 ، 15 ] ثم إنه تعالى أكمل عقولهم ومكنهم من الخير والشر ، ثم علم تعالى أن عباده لا يشتغلون بما كلفوا به ، إلا إذا أرسل إليهم رسولا ومنبها . فعند هذا يجب وجوب الفضل والكرم والرحمة أن يرسل إليهم ذلك الرسول ، وإذا كان ذلك واجبا فكيف يتعجب منه .

الثالث : أن إرسال الرسل أمر ما أخلى الله تعالى شيئا من أزمنة وجود المكلفين منه ، كما قال : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ) [ يوسف : 109 ] فكيف يتعجب منه مع أنه قد سبقه النظير ، ويؤكده قوله تعالى : ( لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ) [ الأعراف : 59 ] وسائر قصص الأنبياء عليهم السلام .

الرابع : أنه تعالى إنما أرسل إليهم رجلا عرفوا نسبه ، وعرفوا كونه أمينا بعيدا عن أنواع التهم والأكاذيب ، ملازما للصدق والعفاف . ثم إنه كان أميا لم يخالط أهل الأديان ، وما قرأ كتابا أصلا البتة ، ثم إنه مع ذلك يتلو عليهم أقاصيصهم ويخبرهم عن وقائعهم ، وذلك يدل على كونه صادقا مصدقا من عند الله ، ويزيل التعجب ، وهو من قوله : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) [ الجمعة : 2 ] وقال : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ) [ العنكبوت : 48 ] .

الخامس : أن مثل هذا التعجب كان موجودا عند بعثة كل رسول ، كما في قوله : ( وإلى عاد أخاهم هودا ) [ الأعراف : 65 ] ( وإلى ثمود أخاهم صالحا ) [ الأعراف : 73 ] إلى قوله : ( أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ) [ الأعراف : 63 ] .

السادس : أن هذا التعجب إما أن يكون من إرسال الله تعالى رسولا من البشر ، أو سلموا أنه لا تعجب في ذلك ، وإنما تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمدا عليه الصلاة والسلام بالوحي والرسالة .

أما الأول فبعيد ؛ لأن العقل شاهد بأن مع حصول التكليف لا بد من منبه ورسول يعرفهم تمام ما يحتاجون إليه في أديانهم كالعبادات وغيرها .

وإذا ثبت هذا فنقول : الأولى أن يبعث إليهم من كان من جنسهم ليكون سكونهم إليه أكمل وإلفهم به أقوى ، كما قال تعالى : ( ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ) [ الأنعام : 9 ] وقال : ( قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ) [ الإسراء : 95 ] .

وأما الثاني فبعيد ؛ لأن محمدا عليه الصلاة والسلام كان موصوفا بصفات الخير والتقوى والأمانة ، وما كانوا يعيبونه إلا بكونه يتيما فقيرا ، وهذا في غاية البعد ؛ لأنه تعالى غني عن العالمين فلا ينبغي أن يكون الفقر سببا لنقصان الحال عنده ، ولا أن يكون الغنى سببا لكمال الحال عنده . كما قال تعالى : ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ) [ سبأ : 37 ] فثبت أن تعجب الكفار من تخصيص الله تعالى محمدا بالوحي والرسالة كلام فاسد .

المسألة الثانية : الهمزة في قوله : ( أكان ) لإنكار التعجب ولأجل التعجيب من هذا التعجب و ( أن أوحينا ) اسم كان ، و ( عجبا ) خبره ، وقرأ ابن عباس : ( عجب ) فجعله اسما وهو نكرة ، و ( أن أوحينا ) خبره ، وهو معرفة ، كقوله : يكون مزاجها عسل وماء . والأجود أن تكون " كان " تامة ، و ( أن أوحينا ) بدلا من ( عجبا ) .

المسألة الثالثة : أنه تعالى قال : ( أكان للناس عجبا ) ولم يقل : أكان عند الناس عجبا ، والفرق أن قوله : ( أكان للناس عجبا ) معناه أنهم جعلوه لأنفسهم أعجوبة يتعجبون منها ، ونصبوه وعينوه لتوجيه الطيرة والاستهزاء والتعجب إليه ، وليس في قوله : أكان عند الناس عجبا ، هذا المعنى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث