الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قول المحدث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا

61 3 - حدثنا قتيبة ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها ، وإنها مثل المسلم ; فحدثوني ما هي ؟ فوقع الناس في شجر البوادي . قال عبد الله : ووقع في نفسي أنها النخلة ، فاستحييت . ثم قالوا : حدثنا ما هي يا رسول الله ؟ قال : هي النخلة .

التالي السابق


مطابقة الحديث للترجمة في قوله " ثم قالوا : حدثنا ما هي يا رسول الله ؟ " ، وفي قوله " فحدثوني ما هي ؟ " .

فإن قلت : الترجمة بثلاثة ألفاظ وهي التحديث والإخبار والإنباء ، وليس في الحديث إلا لفظ التحديث - قلت : ألفاظ الحديث مختلفة ، فإذا جمعت طرقه يوجد ذلك كله ; ففي رواية عبد الله بن دينار المذكورة ها هنا لفظ " حدثوني ما هي ؟ " ، وفي رواية نافع عنه في التفسير عند البخاري أيضا " أخبروني " ، وفي رواية الإسماعيلي عن نافع عنه " أنبؤوني " ، فاشتمل الحديث المذكور على هذه الألفاظ الثلاثة التي هي الترجمة .

بيان رجاله ; وهم خمسة ، والكل ذكروا .

بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري في كتاب العلم هذا في ثلاثة مواضع ; عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن ابن دينار عن ابن عمر ، وعن خالد بن مخلد عن سليمان عن ابن دينار - به ، وعن علي عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وعن إسماعيل عن مالك عن ابن دينار - به ، وفيه " فقالوا : يا رسول الله ، أخبرنا بها ! " .

وأخرجه في البيوع في باب بيع الجمار وأكله عن أبي عوانة عن أبي بشر عن مجاهد عن ابن عمر ، وفي الأطعمة عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر ، وعن أبي نعيم عن محمد بن طلحة عن زبيد عن مجاهد عن ابن عمر ، ولفظ حديث عمر بن حفص : بينا نحن عند النبي عليه الصلاة والسلام جلوس إذ أتي بجمار نخلة ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم ! فظننت أنه يعني النخلة ، فأردت أن أقول هي النخلة يا رسول الله ! ثم التفت فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم ، فسكت ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هي النخلة " ، وفي أول بعض طرقه " كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو يأكل الجمار " .

وأخرجه في الأدب في باب لا يستحيي من الحق عن آدم عن شعبة عن محارب عن ابن عمر قال : قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : مثل المؤمن كمثل شجرة خضراء لا يسقط ورقها ولا يتحات ! فقال القوم : هي شجرة كذا . فأردت أن أقول هي النخلة ، وأنا غلام شاب ! فاستحييت ، فقال : هي النخلة " .

وعن شعبة عن خبيب عن حفص عن ابن عمر - مثله ، وزاد " فحدثت به عمر ، فقال : لو كنت قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا ! " .

وأخرجه مسلم في تلو كتاب التوبة عن محمد بن عبيد عن حماد عن أيوب عن أبي الجليل ، وعن أبي بكر وابن أبي عمر عن سفيان عن أبي نجيح ، وعن أبي نمير عن أبيه عن سيف بن سليمان ، وقال ابن أبي سليمان : كلهم عن مجاهد - به . وعن قتيبة وأبي أيوب وابن حجر عن إسماعيل بن جعفر عن ابن دينار عن ابن عمر - به ، وفي بعضها قال ابن عمر : فألقى الله تعالى في روعي أنها النخلة ... الحديث .

بيان اللغات : قوله " من الشجر " ، قال الصغاني في العباب : الشجر والشجرة ما كان على ساق من نبات الأرض . وقال الدينوري : من العرب من يقول شجرة وشجرة فيكسر الشين ويفتح الجيم ، وهي لغة لبني سليم . وأرض شجراء : كثيرة الأشجار ، ولا يقال : واد شجر . وواحد الشجراء شجرة ، ولم يأت على هذا المثال إلا أحرف يسيرة ، وهي شجرة وشجراء وقصبة وقصباء وطرفة وطرفاء وحلفة وحلفاء . وقال سيبويه : الشجراء واحد وجمع ، وكذلك القصباء والطرفاء والحلفاء . وقال الزمخشري : [ ص: 14 ] الشجرة بكسر الشين والشيرة بكسر الشين والياء . وعن أبي عمرو أنه كرهها ، وقال : يقرأ بها برابر مكة وسودانها .

قوله " البوادي " جمع بادية ، وهي خلاف الحاضرة ، والبدو مثل البادية ، والنسبة إليهما بدوي ، وعن أبي زيد بداوي . وأصلها باء ودال وواو من البدو وهو الظهور ، وهو ظاهر في معنى البادية . وفي بعض الروايات البواد بحذف الياء ، وهي لغة .

قوله " النخلة " واحدة النخل ، وفي العباب : النخل والنخيل بمعنى واحد ، الواحدة نخلة .

بيان الإعراب : قوله " شجرة " نصب لأنه اسم إن وخبرها .

قوله " من الشجر " ، وكلمة " من " للتبعيض ، ويجوز أن يكون المعنى من جنس الشجرة .

قوله " لا يسقط ورقها " جملة من الفعل والفاعل في محل النصب على أنها صفة لشجرة .

قوله " وإنها " بالكسر ، عطف على " إن " الأولى .

قوله " ما هي ؟ " مبتدأ وخبر ، والجملة سدت مسد المفعولين لفعل التحديث .

قوله " أنها النخلة " بفتح أن لأنها فاعل " وقع " ، والنخلة مرفوع لأنها خبر " أن " .

قوله " حدثنا ما هي ؟ " مبتدأ ، وهي خبره ، والجملة سدت مسد المفعولين أيضا .

قوله " هي النخلة “ مبتدأ وخبر ، وقعت مقول القول .

بيان المعاني : قوله " إن من الشجر شجرة " مخرج على خلاف مقتضى الظاهر ; لأن المخاطبين فيه كانوا مستشرفين كاستشراف الطالب المتردد ، فلذلك حسن تأكيده بأن وصوغه بالجملة الاسمية .

قوله " لا يسقط ورقها " صفة سلبية تبين أن موصوفها مختص بها دون غيره .

قوله " وإنها مثل المسلم " كذلك مخرج على خلاف مقتضى الظاهر كما ذكرنا .

قوله " فوقع الناس في شجر البوادي " ; أي ذهبت أفكارهم إلى شجر البوادي وذهلوا عن النخلة ، فجعل كل منهم يفسرها بنوع من الأنواع . يقال : وقع الطائر على الشجرة - إذا نزل عليها .

قوله " قال عبد الله " ; أي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .

قوله " فاستحييت " ، زاد في رواية مجاهد في باب الفهم في العلم " فأردت أن أقول هي النخلة ، فإذا أنا أصغر القوم " ، وله في الأطعمة " فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم " ، وفي رواية نافع " ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان ، فكرهت أن أتكلم " ، وفي رواية مالك عن عبد الله بن دينار عند البخاري في باب الحياء في العلم " قال عبد الله : فحدثت أبي بما وقع في نفسي ، فقال : لإن كنت قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا " ، زاد ابن حبان في صحيحه " أحسبه قال : حمر النعم " .

بيان البيان : قوله " مثل المسلم " بفتح الميم والثاء معا في رواية الأصيلي وكريمة ، وفي رواية أبي ذر " مثل " بكسر الميم وسكون الثاء . قال الجوهري : مثل كلمة تسوية ، يقال : هذا مثله ومثيله ، كما يقال : شبهه وشبيهه - بمعنى . وقال الزمخشري : المثل في أصل كلامهم بمعنى المثل ، يقال مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده مثل ، ولم يضربوا مثلا ولا رأوه أهلا للتسيير ولا جديرا بالتداول والقبول إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه .

قلت : لضرب المثل شأن في إبراز خبيئات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق ; فإن الأمثال تري المخيل في صورة المحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه مشاهد ، ولا يضرب مثل إلا قول فيه غرابة . فإن قلت : ما المورد وما المضرب ؟ قلت : المورد الصورة التي ورد فيها ذلك القول ، والمضرب هي الصورة التي شبهت بها .

ثم اعلم أن المثل له مفهوم لغوي وهو النظير ، ومفهوم عرفي وهو القول السائر ، ومعنى مجازي وهو الحال الغريبة ، واستعير المثل هنا كاستعارة الأسد للمقدام للحال العجيبة أو الصفة الغريبة ، كأنه قيل : حال المسلم العجيب الشأن كحال النخلة ، أو صفة المسلم الغريبة كصفة النخلة ; فالمسلم هو المشبه والنخلة هو المشبه بها . وأما وجه الشبه فقد اختلفوا فيه ; فقال بعضهم : هو كثرة خيرها ودوام ظلها وطيب ثمرها ووجودها على الدوام ; فإنه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس ، وبعد أن ييبس يتخذ منها منافع كثيرة من خشبها وورقها وأغصانها ، فيستعمل جذوعا وحطبا وعصيا ومحاضر وحصرا وحبالا وأواني وغير ذلك مما ينتفع به من أجزائها ، ثم آخرها نواها ينتفع به علفا للإبل وغيره ، ثم جمال نباتها وحسن ثمرتها ، وهي كلها منافع وخير وجمال - وكذلك المؤمن خير كله من كثرة طاعاته ومكارم أخلاقه ومواظبته على صلاته وصيامه وذكره والصدقة وسائر الطاعات ، هذا هو الصحيح في وجه الشبه .

وقال بعضهم : وجه التشبيه أن النخلة إذا قطعت رأسها ماتت بخلاف باقي الشجر . وقال بعضهم : لأنها لا تحمل حتى تلقح . وقال بعضهم : لأنها تموت إذا مزقت أو فسد ما هو كالقلب لها . وقال بعضهم : لأن لطلعها رائحة المني . وقال بعضهم : لأنها تعشق كالإنسان - وهذه الأقوال كلها ضعيفة من حيث إن التشبيه إنما وقع بالمسلم ، وهذه المعاني تشمل المسلم والكافر .

قوله " حدثنا " صورة أمر ، ولكن المراد منه الطلب والسؤال ، وقد علم أن الأمر إذا كان [ ص: 15 ] بالعلو والاستعلاء يكون حقيقة في بابه ، وإذا كان لمساويه يكون التماسا ، وإذا كان لأعلى منه يكون طلبا وسؤالا ; فافهم !

بيان استنباط الأحكام :

الأول : فيه استحباب إلقاء العالم المسألة على أصحابه ليختبر أفهامهم ويرغبهم في الفكر .

الثاني : فيه توقير الكبار وترك التكلم عندهم ، وقد بوب عليه البخاري بابا كما سيأتي إن شاء الله تعالى .

الثالث : فيه استحباب الحياء ما لم يؤد إلى تفويت مصلحة ، ولهذا تمنى عمر رضي الله عنه أن يكون ابنه لم يسكت .

الرابع : فيه جواز اللغز مع بيانه ، فإن قلت : روى أبو داود من حديث معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأغلوطات ، قال الأوزاعي أحد رواته : هي صعاب المسائل - قلت : هو محمول على ما إذا أخرج على سبيل تعنيت المسئول أو تعجيزه أو تخجيله ونحو ذلك .

الخامس : فيه جواز ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الإفهام وتصوير المعاني في الذهن وتحديد الفكر والنظر في حكم الحادثة .

السادس : فيه تلويح إلى أن التشبيه لا عموم له ، ولا يلزم أن يكون المشبه مثل المشبه به في جميع الوجوه .

السابع : فيه أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه ; لأن العلم منح إلهية ومواهب رحمانية ، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء .

الثامن : فيه دلالة على فضيلة النخل ، قال المفسرون : ضرب الله مثلا كلمة طيبة لا إله إلا الله كشجرة طيبة هي النخلة أصلها ثابت في الأرض وفرعها في السماء أي رأسها تؤتي أكلها كل وقت ، وقد شبه الله الإيمان بالنخلة لثبات الإيمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في منبتها ، وشبه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة ، وما يكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وزمان بما ينال من ثمر النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والتمر .

وقد ورد ذلك صريحا فيما رواه البزار من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر هذه الآية ، فقال : أتدرون ما هي ؟ قال ابن عمر : لم يخف علي أنها النخلة ، فمنعني أن أتكلم لمكان سني . فقال رسول الله عليه السلام : هي النخلة .

وروى ابن حبان من رواية عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من يخبرني عن شجرة مثلها مثل المؤمن ، أصلها ثابت وفرعها في السماء - فذكر الحديث ، وروى البزار أيضا من طريق سفيان بن حسين عن أبي بشر عن مجاهد عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثل المؤمن مثل النخلة ، فما أتاك منها نفعك " ، هكذا أورده مختصرا وإسناده صحيح .

وقال البزار : لم يرو هذا الحديث عن النبي عليه السلام بهذا السياق إلا ابن عمر وحده ، ولما ذكره الترمذي قال : وفي الباب عن أبي هريرة . قلت : أخرجه عبد بن حميد في تفسيره بلفظ " مثل المؤمن مثل النخلة " ، وروى الترمذي أيضا والنسائي وابن حبان من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة قال هي النخلة - تفرد برفعه حماد بن سلمة ، وقال الكرماني : قيل إن النخلة خلقت من بقية طينة آدم عليه السلام ، فهي كالعمة للأناسي ! قلت : روي فيه حديث مرفوع ، ولكنه لم يثبت .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث