الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( وهي نوعان أحدهما استطاعة مباشرة ولها شروط ) ظاهره بل صريحه كسائر كلامهم أنه لا عبرة بقدرة ولي على الوصول إلى مكة وعرفة في لحظة كرامة ، وإنما العبرة بالأمر الظاهر العادي فلا يخاطب ذلك الولي بالوجوب إلا إن قدر كالعادة ثم رأيت ما يصرح بذلك ، وهو ما سأذكره أواخر الرهن أنه لا بد في قبضه من الإمكان العادي نص عليه قال القاضي أبو الطيب .

وهذا يدل على أنه لا يحكم بما يمكن من كرامات الأولياء ولهذا لم يلحق من تزوج بمصر امرأة بمكة فولدت لستة أشهر من العقد وتعقبه الزركشي بكلام لابن الرفعة أولته بما حاصله حمله على أن الولي إذا فعل الشيء كرامة ترتب عليه حكمه كما لو حج هنا أما أنه يكلف بفعل يقدر عليه كرامة فلا لإطباقهم كما قال اليافعي على أنه ينبغي له التنزه عن قصد الكرامة وفعلها ما أمكنه ( أحدها وجود الزاد وأوعيته ) حتى السفرة أي مثلا ( ومؤنة ) نفسه [ ص: 13 ] وغيرها مما يحتاج إليه في ( ذهابه وإيابه ) أي أقل مدة يمكن فيها ذلك بالسير المعتاد الآتي من بلده مع مدة الإقامة المعتادة بمكة وهذا عام بعد خاص وحكمة ذكر الخاص وروده في الخبر الذي صححه جمع وضعفه آخرون { أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن السبيل في الآية فقال : الزاد والراحلة } .

( وقيل إن لم يكن له ببلده أهل ) هم ممن تجب نفقتهم ( وعشيرة ) هي بمعنى أو ؛ لأن وجود أحدهما كاف في الجزم باشتراط ذلك وهم أقاربه مطلقا ( لم تشترط ) في حقه ( نفقة ) عبر بها بعد تعبيره بمؤنة ليبين أن المراد منهما واحد هو مفهوم المؤنة الأعم فاندفع اعتراضه بأن التعبير بالنفقة قاصر ( الإياب ) أي قدرته على مؤنة من الزاد والراحلة لاستواء كل البلاد إليه حينئذ ، وردوه بما في الغربة من الوحشة ومشقة فراق الوطن المألوف بالطبع ويؤخذ من ذلك أن الكلام فيمن له وطن ونوى الرجوع إليه أو لم ينو شيئا ويظهر ضبطه بما مر في الجمعة فمن لا وطن له وله بالحجاز ما يقيته لا تعتبر في حقه مؤنة الإياب قطعا لاستواء سائر البلاد إليه وكذا من نوى الاستيطان بمكة أو قربها .

( ولو ) لم يجد ما ذكر لكن ( كان يكسب ) في السفر ( ما يفي بزاده ) وغيره من المؤن ( وسفره طويل ) أي مرحلتان أو أكثر ( لم يكلف الحج ) ، وإن كان يكسب في كل يوم كفاية أيام ؛ لأن في اجتماع تعب السفر والكسب مشقة شديدة عليه ( وإن قصر ) سفره بأن كان دون مرحلتين من مكة ( وهو يكسب في يوم ) أول من أيام سفره ووقع في نسخة في كل يوم ، وهي وهم ( كفاية أيام كلف ) السفر للحج مع الكسب فيه [ ص: 14 ] وإن نازع فيه الأذرعي وأطال لانتفاء المشقة حينئذ فعد مستطيعا وبحث ابن النقيب أن المراد بأيام أقل الجمع ، وهو ثلاثة والإسنوي أخذا من كلامهم .

وصرح به في الذخائر أن المراد أيام الحج وقدرها بما يقرب مما قدرها به في المجموع من أنها ما بين زوال سابع الحجة وزوال ثالث عشرة أي في حق من لم ينفر النفر الأول وكان وجه اعتبار زوال السابع وما بعده أي إن أراد الأفضل أنه يأخذ حينئذ في استماع خطبة الإمام وأسباب توجهه من الغدو إلى منى والثالث عشر أنه قد يريد الأفضل ، وهو إقامته بمنى وواضح أنه لا بد مع ذلك من قدرته على مؤنة أيام سفره إلى مكة ذهابا ورجوعا وخرج بقولنا أول قدرته على أن يكتسب بعده أو في الحضر ما بقي في الكل فلا يلزمه قصر السفر أو طال خلافا للإسنوي ؛ لأن تحصل سبب الوجوب لا يجب ومن ثم نقل الجوري الإجماع على أن اكتساب الزاد والراحلة لا يجب .

فإن قلت لم يتضح الفرق بين إلزامه الكسب في أول السفر لا في الحضر بل قد يتخيل أن إلزامه الكسب في الحضر أولى ؛ لأنه لا يجتمع عليه به مشقتا السفر والكسب بخلاف ذاك قلت بل الفرق ظاهر ؛ لأنه إذا قدر على الكسب أول سفره [ ص: 15 ] عد مستطيعا له ولا كذلك قدرته في الحضر ؛ لأنه لا يعد بها مستطيعا للسفر بل محصلا لسبب الاستطاعة بالسفر وقد تقرر أن تحصيل سبب الوجوب لا يجب فاتضح الفرق والإجماع المذكور وغلط من أخذ من هذا الإجماع أنه لا يجب اكتساب نحو الزاد سفرا ولا حضرا ويعتبر في العمرة القدرة على مؤنة ما يسنها غالبا ، وهو نحو نصف يوم مع مؤنة سفره

التالي السابق


حاشية الشرواني

قول المتن ( استطاعة مباشرة ) أي : لحج أو عمرة بنفسه ( ولها شروط ) أي : سبعة وغالبها يؤخذ من المتن ولكن المصنف عدها أربعة مغني ونهاية .

( قوله : أنه لا عبرة بقدرة ولي إلخ ) هذا هو الأقرب ، وإن اختار الشيخ الطبلاوي الوجوب عليه ع ش وونائي .

( قوله : وهذا ) أي : النص المذكور .

( قوله : من تزوج بمصر إلخ ) فيه إيجاز وأصل التعبير ولد امرأة بمكة بمن تزوجها بمصر فولدته إلخ .

( قوله : وتعقبه إلخ ) الضمير يرجع إلى القاضي ، وإنما قال بكلام إلخ إشارة إلى أنه لا اعتبار به ؛ لأن التنكير للتحقير كردي .

( قوله : حمله ) أي كلام ابن الرفعة .

( قوله : كما لو حج هنا ) أي : فيسقط عنه نسك الإسلام قول المتن ( وجود الزاد إلخ ) أي : الذي يكفيه ولو من أهل الحرم نهاية .

( قوله : حتى السفرة ) إلى قوله ويؤخذ في النهاية والمغني إلا قوله وحكمة إلى المتن وقوله وعبر إلى المتن .

( قوله : حتى السفرة ) هي طعام يتخذه المسافر وأكثر ما يحمل في جلد مستدير فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسمي به وللجلد المذكور معاليق تنضم وتنفرج فللانفراج سميت سفرة ؛ لأنها إذا حلت معاليقها انفرجت فأسفرت عما فيها كردي [ ص: 13 ] على بافضل .

( قوله : وغيرها إلخ ) أي : غير الزاد والأوعية والمؤنة أو غير نفسه ، وهو الأقرب .

( قوله : ومما يحتاج إليه إلخ ) بيان للمؤنة .

( قوله : في ذهابه إلخ ) متعلق بوجود الزاد إلخ .

( قوله : من بلده ) أي وإلى بلده مغني والمراد ببلده محله كما عبر به النهاية .

( قوله : مع مدة الإقامة إلخ ) كقوله من بلده متعلق بقول المتن ذهابه إلخ ( قوله وهذا إلخ ) أي : قول المتن ومؤنة ذهابه إلخ سم أي : فإن المؤنة تشمل الزاد وأوعيته نهاية قول المتن ( وقيل إلخ ) محل الخلاف عند عدم مسكن له ببلده ووجد في الحجاز حرفة تقوم بمؤنته وإلا اشترطت مؤنة الإياب جزما نهاية ومغني قول المتن ( إن لم يكن له ببلده أهل وعشيرة ) أي : إن لم يكن له واحد منهما ولم يتعرضوا للمعارف والأصدقاء لتيسر استبدالهم قاله الرافعي نهاية ومغني .

( قوله : هم من تجب نفقتهم ) أي : كزوجة وقريب نهاية ومغني .

( قوله : هي بمعنى أو إلخ ) قد يقال الواو تصدق بإفادة ذلك ؛ لأن النفي الداخل على متعدد صادق بنفي كل فلا حاجة لجعلها بمعنى أو فتأمله سم عبارة البصري كونه بمعنى أو في جانب الإثبات واضح ، وهو الذي يلائم تعليله وأما جانب النفي كعبارة المصنف ، فإن جعلت فيه بمعنى أو صار المعنى وقيل إن انتفى أحدهما لم يشترط إلخ وانتفاء أحدهما صادق بتحقق الآخر على أنه لا ينطبق عليه التعليل ا هـ ، وقد يجاب بأن الواو لمطلق الجمع الصادق للجميع وللمجموع نفيا وإثباتا وأو في سياق النفي للعموم .

( قوله : مطلقا ) أي : ولو من جهة الأم نهاية ومغني .

( قوله : وهو مفهوم المؤنة إلخ ) قد يقال هذا المفهوم بخصوصه لا يفهم من التعبير المذكور بل قد يسبق أن المراد مفهوم النفقة الأخص ؛ لأن كون اللاحق تفسيرا للسابق أقرب من العكس وهذا قصور قطعا ولم يندفع فتأمله سم .

( قوله : وردوه ) أي ذلك القول .

( قوله : ويؤخذ من ذلك ) أي : الرد .

( قوله : أن الكلام إلخ ) أي : الخلاف وتقدم عن النهاية والمغني ما يخالفه .

( قوله : ضبطه ) أي الوطن .

( قوله : وله بالحجاز ما يقيته ) أي : بخلاف من ليس له به ما يقيته أي : وله بغيره ما يقيته وإلا فهو كالأول كما هو ظاهر بصري وقد يفرق بسهولة العيش وزيادة الرخص في غير الحجاز بالنسبة إليه .

( قوله : ما يقيته ) شامل للصبر المعتاد ونائي .

( قوله : وكذا من نوى إلخ ) أي : كمن لا وطن له من له وطن ونوى الاستيطان بمكة أو كمن له شيء يقيته من ليس له شيء يقيته ولكنه نوى الاستيطان بمكة كل محتمل بصري وقد يقال إنه راجع لكل منهما ( قوله لم يجد ما ذكر ) إلى قوله وكان وجه إلخ في النهاية إلا قوله ووقع إلى المتن وقوله ، وإن نازع فيه الأذرعي وأطال وكذا في المغني إلا لفظة أول وقوله ابن النقيب إلى الإسنوي .

( قوله : ؛ لأن في اجتماع إلخ ) ولأنه قد ينقطع عن الكسب لعارض نحو مرض نهاية ومغني .

( قوله : بأن كان دون مرحلتين إلخ ) أي أو كان بمكة نهاية ومغني قول المتن ( وهو يكسب إلخ ) أي : كسبا لائقا به ؛ لأن في تعاطيه غير اللائق به عارا وذلا شديدا أخذا مما قالوه في النفقات من أنه لو كان يكتسب بغير لائق به كان لزوجته الفسخ بذلك ع ش ( قوله في يوم أول من أيام سفر ) هو المعتمد ع ش وونائي .

( قوله : أول ) الأسبك تقديره بين في ومدخوله .

( قوله : كلف السفر للحج مع الكسب ) [ ص: 14 ] لا يقال الواجب السفر لا الكسب ؛ لأنه لو حصل المؤنة بنحو اقتراض حصل المقصود ؛ لأنا نقول ليس المراد بوجوب السفر والكسب وجوب فعل ذلك في الحال ؛ لأن الحج على التراخي بل المراد بذلك الاستقرار ولو اعتبرنا الكسب أيضا لم يتأت الاستقرار إذ هو حينئذ غير مستطيع فليتأمل سم .

( قوله : لانتفاء المشقة إلخ ) أي : بخلاف ما إذا كان يكسب في كل يوم ما يكفي به فقط فلا يكلف ؛ لأنه قد ينقطع عن كسبه في أيام الحج مغني ونهاية .

( قوله : والإسنوي إلخ ) عبارة النهاية وأيام الحج ستة إذ هي من زوال سابع الحجة إلى زوال ثالث عشرة وقول المجموع إنها سبعة مع تحديده بذلك فيه اعتبار الطرفين واستنبطه الإسنوي من التعليل بانقطاعه عن الكسب أيام الحج أنها من خروج الناس غالبا ، وهو من أول الثامن إلى آخر الثالث عشر وما ادعاه في الإسعاد من كون تقديرها بثلاثة أيام كما قاله ابن النقيب أقرب فيه نظر والأقرب ما قاله الإسنوي ا هـ .

( قوله : مما قدرها به في المجموع إلخ ) اعتمده المغني أيضا .

( قوله : من أنها ما بين إلخ ) بيان لما قدرها به في المجموع ( قوله أي : في حق من لم ينفر النفر الأول ) كذا في النهاية والمغني أي : وأما في حق من نفر النفر الأول فهي ما بين زوال سابع ذي الحجة وزوال ثاني عشره شيخنا وونائي .

( قوله : وواضح أنه لا بد مع ذلك إلخ ) قد يفهم من قوة هذا السياق أن المراد أنه لا بد من القدرة على كسب المؤنة المذكورة مع مؤنة أيام الحج في يوم وفي العباب ووجد كفاية من يمونه ذهابا وعودا وقدر أن يكسب في كل يوم كفاية أيام الحج وفي شرحه ويؤخذ من قول المجموع كفايته وكفاية عياله أن قول المتن ووجد كفاية من يمونه إلخ المقتضي أنه لا بد من وجود تلك الكفاية من غير الكسب غير مراد لما علمت من عبارة المجموع أنه لو أمكنه تحصيلها من كسبه لزمه أيضا ، وهو ظاهر انتهى ا هـ سم .

( قوله : من قدرته على مؤنة أيام سفره إلى مكة إلخ ) أي : بوجودها بالفعل أو بإمكان كسبها في أول يوم من أيام سفره كما مر عن سم .

( قوله : إلى مكة ) أي : ومن مكة ( قوله بقولنا أول ) أي : عقب قول المصنف في يوم .

( قوله : وخرج ) إلى قوله ، فإن قلت في المغني وإلى قوله فاتضح في النهاية .

( قوله : بعده ) أي بعد أول يوم من سفره .

( قوله : خلافا للإسنوي ) أي : حيث قال إنه لو كان يقدر في الحضر على أن يكسب في يوم ما يكفيه لذلك اليوم وللحج لزمه إن قصر السفر ؛ لأنهم إذا ألزموه به في السفر ففي الحضر أولى وكذا إن طال لانتفاء المحذور نهاية ومغني .

( قوله : ومن ثم ) أي : من أجل أن تحصيل إلخ .

( قوله : نقل الجوري ) عبارة النهاية والمغني نقل الخوارزمي ا هـ .

( قوله : الإجماع على أن اكتساب الزاد إلخ ) أي وظاهره أنه لا فرق في ذلك بين الحضر والسفر وأنه لا فرق في السفر بين الطويل والقصير مغني زاد النهاية ، وهو كذلك إلا فيما إذا قصر السفر وكان يكسب في يوم كفاية أيام كما مر ا هـ .

( قوله : قلت بل الفرق ظاهر إلخ ) لا يخفى ما فيه للعارف المتأمل المنصف قاله سم ثم قال ، فإن قلت لا يخفى ما في هذا الفرق ، وإن عده مستطيعا في الأول وعدم عده كذلك في الثاني مجرد دعوى لا دليل لها بل تحكم قلت كان وجه الفرق وعده مستطيعا في الأول دون الثاني إمكان شروعه حالا في السفر في الأول دون الثاني لتوقف الشروع على الاكتساب وتحصيل المؤنة قبله نعم قد يقال هذا التوقف لا يمنع الاستطاعة كما لم يمنعها توقف [ ص: 15 ] شروع ذي المال على شراء المؤن في أيام الحج ا هـ .

( قوله : عد مستطيعا له ) أي : للسفر قبل الشروع فيه ولو قبل تحصيل الكسب نهاية .

( قوله : بل محصلا إلخ ) أي : مقتدرا على تحصيل سبب الاستطاعة عبارة النهاية لا يعد مستطيعا له إلا بعد حصول الكسب ؛ لأن الفرض أنه لا يقدر على الكسب في السفر فلا يجب تحصيله لما مر ا هـ .

( قوله : وغلط إلخ ) عطف على الفرق .

( قوله : ويعتبر ) إلى قوله فلو قدر في النهاية إلا قوله نظير ما مر إلى أو وقف وقوله مدة يمكن فيها الحج وقوله لا من ماله إلى المتن وقوله ، وإن لم يلق إلى واعتبروا .

( قوله : نحو نصف يوم ) عبارة النهاية نحو ثلثي يوم ا هـ

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث