الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الركن الثاني المجتهد وله شرطان .

أحدهما أن يكون محيطا بمدارك الشرع متمكنا من استثارة الظن بالنظر فيها وتقديم ما يجب تقديمه وتأخير ما يجب تأخيره .

الثاني : أن يكون عدلا مجتنبا للمعاصي القادحة في العدالة ، وهذا يشترط لجواز الاعتماد على فتواه فمن ليس عدلا فلا تقبل فتواه ، أما هو في نفسه فلا ، فكأن العدالة شرط القبول للفتوى لا شرط صحة الاجتهاد .

فإن قيل : متى يكون محيطا بمدارك الشرع ؟ وما تفصيل العلوم التي لا بد منها لتحصيل منصب الاجتهاد ؟ قلنا : إنما يكون متمكنا من الفتوى بعد أن يعرف المدارك المثمرة للأحكام ، وأن يعرف كيفية الاستثمار . والمدارك المثمرة للأحكام كما فصلناها أربعة : الكتاب والسنة ، والإجماع ، والعقل . وطريق الاستثمار يتم بأربعة علوم اثنان مقدمان واثنان متممان وأربعة في الوسط ، فهذه ثمانية فلنفصلها ولننبه فيها على دقائق أهملها الأصوليون .

أما كتاب الله عز وجل فهو الأصل ولا بد من معرفته ، ولنخفف عنه أمرين :

أحدهما : أنه لا يشترط معرفة جميع الكتاب بل ما تتعلق به الأحكام منه وهو مقدار خمسمائة آية .

الثاني : لا يشترط حفظها عن ظهر قلبه بل أن يكون عالما بمواضعها بحيث [ ص: 343 ] يطلب فيها الآية المحتاج إليها في وقت الحاجة .

وأما السنة فلا بد من معرفة الأحاديث التي تتعلق بالأحكام ، وهي وإن كانت زائدة على ألوف فهي محصورة وفيها التخفيفان المذكوران إذ لا يلزمه معرفة ما يتعلق من الأحاديث بالمواعظ وأحكام الآخرة وغيرها . الثاني ، لا يلزمه حفظها عن ظهر قلبه بل أن يكون عنده أصل مصحح لجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام ، كسنن أبي داود ومعرفة السنن لأحمد والبيهقي ، أو أصل وقعت العناية فيه بجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام .

ويكفيه أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه وقت الحاجة إلى الفتوى ، وإن كان يقدر على حفظه فهو أحسن وأكمل . وأما الإجماع فينبغي أن تتميز عنده مواقع الإجماع حتى لا يفتي بخلاف الإجماع ، كما يلزمه معرفة النصوص حتى لا يفتي بخلافها . والتخفيف في هذا الأصل أنه لا يلزمه أن يحفظ جميع مواقع الإجماع والخلاف بل كل مسألة يفتي فيه فينبغي أن يعلم أن فتواه ليس مخالفا للإجماع ; إما بأن يعلم أنه موافق مذهبا من مذاهب العلماء أيهم كان ، أو يعلم أن هذه واقعة متولدة في العصر لم يكن لأهل الإجماع فيها خوض ، فهذا القدر فيه كفاية ، وأما العقل فنعني به مستند النفي الأصلي للأحكام ، فإن العقل قد دل على نفي الحرج في الأقوال والأفعال وعلى نفي الأحكام عنها من صور لا نهاية لها

أما ما استثنته الأدلة السمعية من الكتاب والسنة فالمستثناة محصورة ، وإن كانت كثيرة ، فينبغي أن يرجع في كل واقعة إلى النفي الأصلي والبراءة الأصلية ويعلم أن ذلك لا يغير إلا بنص أو قياس على منصوص فيأخذ في طلب النصوص ، وفي معنى النصوص الإجماع وأفعال الرسول بالإضافة إلى ما يدل عليه الفعل على الشرط الذي فصلناه . هذه المدارك الأربعة ، فأما العلوم الأربعة التي بها يعرف طرق الاستثمار ، فعلمان مقدمان :

أحدهما : معرفة نصب الأدلة وشروطها التي بها تصير البراهين والأدلة منتجة ، والحاجة إلى هذا تعم المدارك الأربعة

والثاني : معرفة اللغة والنحو على وجه يتيسر له به فهم خطاب العرب وهذا يخص فائدة الكتاب والسنة . ولكل واحد من هذين العلمين تفصيل وفيه تخفيف وتثقيل ، أما تفصيل العلم الأول فهو أن يعلم أقسام الأدلة وأشكالها وشروطها ، فيعلم أن الأدلة ثلاثة : عقلية تدل لذاتها ، وشرعية صارت أدلة بوضع الشرع ، ووضعية وهي العبارات اللغوية .

ويحصل تمام المعرفة فيه بما ذكرناه في مقدمة الأصول من مدارك العقول لا بأقل منه ، فإن من لم يعرف شروط الأدلة لم يعرف حقيقة الحكم ولا حقيقة الشرع ولم يعرف مقدمة الشارع ولا عرف من أرسل الشارع . ثم قالوا : لا بد أن يعرف حدوث العالم وافتقاره إلى محدث موصوف بما يجب له من الصفات منزه عما يستحيل وأنه متعبد عباده ببعثة الرسل وتصديقهم بالمعجزات ، وليكن عارفا بصدق الرسول والنظر في معجزته ، والتخفيف في هذا عندي أن القدر الواجب من هذه الجملة اعتقاد جازم إذ به يصير مسلما والإسلام شرط المفتي لا محالة .

فأما مجاوزة حد التقليد فيه إلى معرفة الدليل فليس بشرط أيضا لذاته ، لكنه يقع من ضرورة منصب الاجتهاد فإنه لا يبلغ رتبة الاجتهاد في العلم إلا وقد قرع سمعه أدلة خلق العالم وأوصاف الخالق وبعثة الرسل وإعجاز القرآن فإن كل ذلك يشتمل عليه كتاب الله ، وذلك محصل للمعرفة الحقيقية مجاوز بصاحبه حد التقليد

[ ص: 344 ] وإن لم يمارس صاحبه صنعة الكلام فهذا من لوازم منصب الاجتهاد حتى لو تصور مقلد محض في تصديق الرسول وأصول الإيمان لجاز له الاجتهاد في الفروع ، أما المقدمة الثانية فعلم اللغة والنحو ، أعني القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال إلى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيده ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه . والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف جميع اللغة ويتعمق في النحو ، بل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويستولي به على مواقع الخطاب ودرك حقائق المقاصد منه .

وأما العلمان المتممان فأحدهما : معرفة الناسخ من الكتاب والسنة ، وذلك في آيات وأحاديث مخصوصة . والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يكون جميعه على حفظه بل كل واقعة يفتي فيها بآية أو حديث فينبغي أن يعلم أن ذلك الحديث وتلك الآية ليست من جملة المنسوخ وهذا يعم الكتاب والسنة .

الثاني وهو يخص السنة : معرفة الرواية وتمييز الصحيح منها عن الفاسد والمقبول عن المردود ، فإن ما لا ينقله العدل عن العدل فلا حجة فيه . والتخفيف فيه أن كل حديث يفتي به مما قبلته الأمة فلا حاجة به إلى النظر في إسناده ، وإن خالفه بعض العلماء ، فينبغي أن يعرف رواته وعدالتهم فإن كانوا مشهورين عنده كما يرويه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثلا اعتمد عليه ، فهؤلاء قد تواتر عند الناس عدالتهم وأحوالهم .

والعدالة إنما تعرف بالخبرة والمشاهدة أو بتواتر الخبر ، فما نزل عنه فهو تقليد وذلك بأن يقلد البخاري ومسلما في أخبار الصحيحين وأنهما ما رووها إلا عمن عرفوا عدالته فهذا مجرد تقليد ، وإنما يزول التقليد بأن يعرف أحوال الرواة بتسامع أحوالهم وسيرهم ، ثم ينظر في سيرهم أنها تقتضي العدالة أم لا ؟ وذلك طويل وهو في زماننا مع كثرة الوسائط عسير ، والتخفيف فيه أن يكتفى بتعديل الإمام العدل بعد أن عرفنا أن مذهبه في التعديل مذهب صحيح فإن المذاهب مختلفة فيما يعدل به ويجرح ، فإن من مات قبلنا بزمان امتنعت الخبرة والمشاهدة في حقه

ولو شرط أن تتواتر سيرته فذلك لا يصادف إلا في الأئمة المشهورين ، فيقلد في معرفة سيرته عدلا فيما يخبر فنقلده في تعديله بعد أن عرفنا صحة مذهبه في التعديل ، فإن جوزنا للمفتي الاعتماد على الكتب الصحيحة التي ارتضى الأئمة رواتها قصر الطريق على المفتي وإلا طال الأمر وعسر الخطب في هذا الزمان مع كثرة الوسائط ، ولا يزال الأمر يزداد شدة بتعاقب الأعصار .

فهذه هي العلوم الثمانية التي يستفاد بها منصب الاجتهاد ، ومعظم ذلك يشتمل عليه ثلاثة فنون : علم الحديث وعلم اللغة وعلم أصول الفقه . فأما الكلام وتفاريع الفقه فلا حاجة إليهما ، وكيف يحتاج إلى تفاريع الفقه وهذه التفاريع يولدها المجتهدون ويحكمون فيها بعد حيازة منصب الاجتهاد ؟ فكيف تكون شرطا في منصب الاجتهاد ، وتقدم الاجتهاد عليها شرط ؟ نعم إنما يحصل منصب الاجتهاد في زماننا بممارسته ، فهو طريق تحصيل الدربة في هذا الزمان ولم يكن الطريق في زمان الصحابة ذلك ، ويمكن الآن سلوك طريق الصحابة أيضا .

دقيقة في التخفيف يغفل عنها الأكثرون : اجتماع هذه العلوم الثمانية إنما يشترط في [ ص: 345 ] حق المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع ، وليس الاجتهاد عندي منصبا لا يتجزأ ، بل يجوز أن يقال للعالم بمنصب الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض ، فمن عرف طريق النظر القياسي فله أن يفتي في مسألة قياسية ، وإن لم يكن ماهرا في علم الحديث ، فمن ينظر في المسألة المشتركة يكفيه أن يكون فقيه النفس عارفا بأصول الفرائض ومعانيها ، وإن لم يكن قد حصل الأخبار التي وردت في مسألة تحريم المسكرات أو في مسألة النكاح بلا ولي ، فلا استمداد لنظر هذه المسألة منها ولا تعلق لتلك الأحاديث بها ، فمن أين تصير الغفلة عنها أو القصور عن معرفتها نقصا ؟ ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذمي وطريق التصرف فيه فما يضره قصوره عن علم النحو الذي يعرف قوله تعالى : { وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } وقس عليه ما في معناه .

وليس من شرط المفتي أن يجيب عن كل مسألة فقد سئل مالك رحمه الله عن أربعين مسألة فقال في ستة وثلاثين منها : لا أدري . وكم توقف الشافعي رحمه الله ، بل الصحابة في المسائل فإذا لا يشترط إلا أن يكون على بصيرة فيما يفتي فيفتي فيما يدري أنه يدري ، ويميز بين ما لا يدري وبين ما يدري فيتوقف فيما لا يدري ويفتي فيما يدري

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث