الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة أربع وستين وخمسمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر ملك أسد الدين مصر وقتل شاور

في هذه السنة ، في ربيع الأول ، سار أسد الدين شيركوه بن شاذي إلى ديار مصر ، فملكها ، ومعه العساكر النورية .

وسبب ذلك ما ذكرناه من تمكن الفرنج من البلاد المصرية ، وأنهم جعلوا لهم في القاهرة شحنة ، وتسلموا أبوابها ، وجعلوا لهم فيها جماعة من شجعانهم وأعيان فرسانهم ، وحكموا على المسلمين حكما جائرا ، وركبوهم بالأذى العظيم ، فلما رأوا ذلك ، وأن البلاد ليس فيها من يردهم ، وأرسلوا إلى ملك الفرنج بالشام ، وهو مري ولم يكن للفرنج مذ ظهر بالشام مثله شجاعة ومكرا ودهاء ، يستدعونه ليملكها ، وأعلموه خلوها من ممانع ، وهونوا أمرها عليه ، فلم يجبهم إلى ذلك ، فاجتمع إليه فرسان الفرنج وذوو الرأي منهم ، وأشاروا عليه بقصدها وتملكها ، فقال لهم : الرأي عندي أننا لا نقصدها ، فإنها طعمة لنا وأموالها تساق إلينا ، نتقوى بها على نور الدين ، وإن نحن قصدناها ; لنملكها فإن صاحبها وعساكره ، وعامة بلاده وفلاحيها ، لا يسلمونها إلينا ، ويقاتلوننا دونها ، ويحملهم الخوف منا على تسليمها إلى نور الدين ، ولئن أخذها نور الدين وصار له فيها مثل أسد الدين ، فهو هلاك الفرنج وإجلاؤهم من أرض الشام ، فلم يقبلوا قوله ، وقالوا له : إنها لا مانع فيها ولا حامي ، وإلى أن يتجهز عسكر نور الدين ويسير إليها ، نكون نحن قد ملكناها ، وفرغنا من أمرها ، وحينئذ يتمنى نور الدين منا السلامة .

فسار معهم على كره وشرعوا يتجهزون ويظهرون أنهم يريدون قصد مدينة حمص ، فلما سمع نور الدين شرع أيضا بجمع عساكره ، وأمرهم بالقدوم عليه ، وجد [ ص: 338 ] الفرنج في السير إلى مصر ، فقدموها ، ونازلوا مدينة بلبيس ، وملكوها قهرا مستهل صفر ، ونهبوها وقتلوا فيها وأسروا وسبوا .

وكان جماعة من أعيان المصريين قد كاتبوا الفرنج ، ووعدوهم النصرة عداوة منهم لشاور ، منهم ابن الخياط ، وابن فرجلة ، فقوي جنان الفرنج ، وساروا من بلبيس إلى مصر ، فنزلوا إلى القاهرة عاشر صفر ، وحصروها ، فخاف الناس منهم أن يفعلوا بهم كما فعلوا بأهل بلبيس ، فحملهم الخوف منهم على الامتناع ، فحفظوا البلد ، وقاتلوا دونه وبذلوا جهدهم في حفظه ، فلو أن الفرنج أحسنوا السيرة في بلبيس ; لملكوا مصر والقاهرة ، ولكن الله تعالى حسن لهم ما فعلوا ; ليقضي الله أمرا كان مفعولا .

وأمر شاور بإحراق مدينة مصر تاسع صفر ، وأمر أهلها بالانتقال منها إلى القاهرة ، وأن ينهب البلد ، فانتقلوا ، وبقوا على الطرق ، ونهبت المدينة ، وافتقر أهلها ، وذهبت أموالهم ونعمتهم قبل نزول الفرنج عليهم بيوم ، خوفا أن يملكها الفرنج ، فبقيت النار تحرقها أربعة وخمسين يوما .

وأرسل الخليفة العاضد إلى نور الدين يستغيث به ، ويعرفه ضعف المسلمين عن دفع الفرنج ، وأرسل في الكتب شعور النساء وقال : هذه شعور نسائي من قصري يستغثن بك ; لتنقذهن من الفرنج ، فشرع في تسيير الجيوش .

وأما الفرنج فإنهم اشتدوا في حصار القاهرة وضيقوا على أهلها ، وشاور هو المتولي للأمر والعساكر والقتال ، فضاق به الأمر ، وضعف عن ردهم ، فأخذ إلى إعمال الحيلة ، فأرسل إلى ملك الفرنج يذكر له مودته ومحبته القديمة له ، وأن هواه معه ; لخوفه من نور الدين والعاضد ، وإنما المسلمون لا يوافقونه على التسليم إليه ، ويشير بالصلح ، وأخذ مال لئلا يتسلم البلاد نور الدين ، فأجابه إلى ذلك على أن يعطوه ألف ألف دينار مصرية ، يعجل البعض ، ويمهل بالبعض ، فاستقرت القاعدة على ذلك .

[ ص: 339 ] ورأى الفرنج أن البلاد قد امتنعت عليهم ، وربما سلمت إلى نور الدين ، فأجابوا كارهين ، وقالوا : نأخذ المال ، فنتقوى به ، ونعاود البلاد بقوة لا نبالي معها بنور الدين ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين فعجل لهم شاور مائة ألف دينار ، وسألهم الرحيل عنه ليجمع لهم المال ، فرحلوا قريبا ، وجعل شاور يجمع لهم المال من أهل القاهرة ومصر ، فلم يتحصل له إلا قدر لا يبلغ خمسة آلاف دينار ، وسببه أن أهل مصر كانوا قد احترقت دورهم وما فيها ، وما سلم نهب ، وهم لا يقدرون على الأقوات فضلا عن الأقساط .

وأما القاهرة فالأغلب على أهلها الجند وغلمانهم ، فلهذا تعذرت عليهم الأموال ، وهم خلال هذا يراسلون نور الدين بما الناس فيه ، وبذلوا له ثلث بلاد مصر ، وأن يكون أسد الدين مقيما عندهم في عسكر ، وأقطاعهم من البلاد المصرية أيضا خارجا عن الثلث الذي لهم .

وكان نور الدين لما وصله كتب العاضد بحلب أرسل إلى أسد الدين يستدعيه إليه ، فخرج القاصد في طلبه ، فلقيه على باب حلب ، وقد قدمها من حمص وكانت إقطاعه ، وكان سبب وصوله أن كتب المصريين وصلته أيضا في المعنى ، فسار أيضا إلى نور الدين ، واجتمع به ، وعجب نور الدين من حضوره في الحال ، وسره ذلك ، وتفاءل به ، وأمر بالتجهيز إلى مصر ، وأعطاه مائتي ألف دينار سوى الثياب والدواب والأسلحة وغير ذلك ، وحكمه في العسكر والخزائن ، واختار من العسكر ألفي فارس ، وأخذ المال ، وجمع ستة آلاف فارس ، وسار هو ونور الدين إلى دمشق فوصلها سلخ صفر ، ورحل إلى رأس الماء ، وأعطى نور الدين كل فارس ممن مع أسد الدين عشرين دينارا معونة غير محسوبة من جامكيته ، وأضاف إلى أسد الدين جماعة أخرى من الأمراء منهم : مملوكه عز الدين جورديك ، وعز الدين قلج ، وشرف الدين بزغش ، [ ص: 340 ] وعين الدولة الياروقي ، وقطب الدين ينال بن حسان المنبجي ، وصلاح الدين يوسف بن أيوب ، أخي شيركوه ، على كره منه ، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم أحب نور الدين مسير صلاح الدين ، وفيه ذهاب بيته ، وكره صلاح الدين المسير ، وفيه سعادته وملكه ، وسيرد ذلك عند موت شيركوه ، إن شاء الله تعالى .

وسار أسد الدين شيركوه من رأس الماء مجدا منتصف ربيع الأول ، فلما قارب مصر رحل الفرنج عنها عائدين إلى بلادهم بخفي حنين خائبين مما أملوا ، وسمع نور الدين بعودهم ، فسره ذلك ، وأمر بضرب البشائر في البلاد ، وبث رسله في الأفاق مبشرين بذلك ، فإنه كان فتحا جديدا لمصر وحفظا لسائر بلاد الشام وغيرها .

فأما أسد الدين فإنه وصل إلى القاهرة سابع جمادى الآخرة ، ودخل إليها ، واجتمع بالعاضد لدين الله ، وخلع عليه وعاد إلى خيامه بالخلعة العاضدية ، وفرح به أهل مصر ، وأجريت عليه وعلى عسكره الجرايات الكثيرة ، والإقامات الوافرة ، ولم يمكن شاور المنع عن ذلك ; لأنه رأى العساكر كثيرة مع شيركوه وهوى العاضد معهم ، فلم يتجاسر على إظهار ما في نفسه ، وشرع يماطل أسد الدين في تقرير ما كان بذل لنور الدين من المال ، وإقطاع الجند ، وإفراد ثلث البلاد لنور الدين ، وهو يركب كل يوم إلى أسد الدين ، ويسير معه ، ويعده ويمنيه وما يعدهم الشيطان إلا غرورا .

ثم إنه عزم على أن يعمل دعوة يدعو إليها أسد الدين والأمراء الذين معه ، ويقبض عليهم ، ويستخدم من معهم من الجند ، فيمنع بهم البلاد من الفرنج ، فنهاه ابنه الكامل ، وقال له : والله لئن عزمت على هذا ; لأعرفن شيركوه . فقال له أبوه : والله لئن لم نفعل هذا لنقتلن جميعا ، فقال : صدقت ، ولأن نقتل ونحن مسلمون والبلاد إسلامية ، خير من أن نقتل وقد ملكها الفرنج ، فإنه ليس بينك وبين عود الفرنج إلا أن يسمعوا بالقبض على شيركوه ، وحينئذ لو مشى العاضد إلى نور الدين لم يرسل معه [ ص: 341 ] فارسا واحدا ، ويملكون البلاد ، فترك ما كان عزم عليه .

ولما رأى العسكر النوري مطل شاور خافوا شره ، فاتفق صلاح الدين يوسف بن أيوب وعز الدين جورديك وغيرهما على قتل شاور ، فأعلموا أسد الدين ، فنهاهم عنه ، فسكتوا وهم على ذلك العزم من قتله ، فاتفق أن شاور قصد عسكر أسد الدين على عادته ، فلم يجده في الخيام ، كان قد مضى يزور قبر الشافعي ، رضي الله عنه ، فلقيه صلاح الدين يوسف وجورديك في جمع من العسكر ، وخدموه ، وأعلموه بأن شيركوه في زيارة قبر الإمام الشافعي ، فقال : نمضي إليه ، فساروا جميعا ، فسايره صلاح الدين وجورديك وألقياه إلى الأرض عن فرسه ، فهرب أصحابه عنه ، فأخذ أسيرا ، فلم يمكنهم قتله بغير أمر أسد الدين ، فتوكلوا بحفظه ، وسيروا فأعلموا أسد الدين الحال ، فحضر ، ولم يمكنه إلا إتمام ما عملوه ، وسمع الخليفة العاضد صاحب مصر الخبر ، فأرسل إلى أسد الدين يطلب منه إنفاذ رأس شاور ، وتابع الرسل بذلك ، فقتل ، وأرسل رأسه إلى العاضد في السابع عشر من ربيع الآخر .

ودخل أسد الدين القاهرة ، فرأى من اجتماع الخلق ما خافهم على نفسه ، فقال لهم : أمير المؤمنين ، يعني العاضد ، يأمركم بنهب دار شاور ، فتفرق الناس عنه إليها ، فنهبوها ، وقصد هو قصر العاضد ، فخلع عليه خلعة الوازرة ، ولقب الملك المنصور أمير الجيوش ، وسار بالخلع إلى دار الوزارة ، وهي التي كان فيها شاور ، فلم ير فيها ما يقعد عليه ، واستقر في الأمر ، وغلب عليه ، ولم يبق له مانع ولا منازع ، واستعمل على الأعمال من يثق به من أصحابه وأقطع البلاد لعساكره .

وأما الكامل بن شاور فإنه لما قتل أبوه دخل القصر هو وإخوته معتصمين به ، فكان آخر العهد بهم ، فكان شيركوه يتأسف عليه كيف عدم لأنه بلغه ما كان منه مع أبيه في منعه من قتل شيركوه ، وكان يقول : وددت أنه بقي ; لأحسن إليه جزاء الصنيعة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث