الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار

أما قوله : ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) ففيه مسائل :

( المسألة الأولى ) : هذه الآية تدل على أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان لأنه لما ذكر الإيمان ثم عطف عليه العمل الصالح وجب التغاير وإلا لزم التكرار وهو خلاف الأصل .

( المسألة الثانية ) : من الناس من أجرى هذه الآية على ظاهرها فقال : كل من أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فله الجنة . فإذا قيل له : ما قولك فيمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة ثم كفر ؟ قال : إن هذا ممتنع لأن فعل الإيمان والطاعة يوجب استحقاق الثواب الدائم ، وفعل الكفر استحقاق العقاب الدائم ، والجمع بينهما محال ، والقول أيضا بالتحابط محال ، فلم يبق إلا أن يقال : هذا الفرض الذي فرضتموه ممتنع ، وإنما قلنا : إن القول بالتحابط محال لوجوه :

[ ص: 118 ] أحدها : أن الاستحقاقين إما أن يتضادا أو لا يتضادا ، فإن تضادا كان طريان الطارئ مشروطا بزوال الباقي ، فلو كان زوال الباقي معللا بطريان الطارئ لزم الدور وهو محال .

وثانيها : أن المنافاة حاصلة من الجانبين ، فليس زوال الباقي لطريان الطارئ أولى من اندفاع الطارئ بقيام الباقي ، فإما أن يوجدا معا وهو محال ، أو يتدافعا ، فحينئذ يبطل القول بالمحابطة .

وثالثها : أن الاستحقاقين إما أن يتساويا أو كان المقدم أكثر أو أقل ، فإن تعادلا مثل أن يقال : كان قد حصل استحقاق عشرة أجزاء من الثواب فطرأ استحقاق عشرة أجزاء من العقاب ، فنقول : استحقاق كل واحد من أجزاء العقاب مستقل بإزالة كل واحد من أجزاء استحقاق الثواب . وإذا كان كذلك لم يكن تأثير هذا الجزء في إزالة هذا الجزء أولى من تأثيره في إزالة ذلك الجزء ومن تأثير جزء آخر في إزالته ، فإما أن يكون كل واحد من هذه الأجزاء الطارئة مؤثرا في إزالة كل واحد من الأجزاء المتقدمة فيلزم أن يكون لكل واحد من العلل معلولات كثيرة ولكل واحد من المعلولات علل كثيرة مستقلة ، وكل ذلك محال ، وإما أن يختص كل واحد من الأجزاء الطارئة بواحد من الباقي من غير مخصص ، فذلك محال لامتناع ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وأما إن كان المقدم أكثر فالطارئ لا يزيل إلا بعض أجزاء الباقي ، فلم يكن بعض أجزاء الباقي أن يزول به أولى من سائر الأجزاء ، فإما أن يزول الكل وهو محال ؛ لأن الزائل لا يزول إلا بالناقص ، أو يتعين البعض للزوال من غير مخصص وهو محال ، أو لا يزول شيء منها وهو المطلوب .

وأيضا فهذا الطارئ إذا أزال بعض أجزاء الباقي ، فإما أن يبقى الطارئ أو يزول . أما القول ببقاء الطارئ فلم يقل به أحد من العقلاء . وأما القول بزواله فباطل ؛ لأنه إما أن يكون تأثير كل واحد منهما في إزالة الآخر معا أو على الترتيب ، والأول باطل لأن المزيل لا بد وأن يكون موجودا حال الإزالة ، فلو وجد الزوالان معا لوجد المزيلان معا ، فيلزم أن يوجدا حال ما عدما وهو محال ، وإن كان على الترتيب فالمغلوب يستحيل أن ينقلب غالبا .

وأما إن كان المتقدم أقل فإما أن يكون المؤثر في زواله بعض أجزاء الطارئ ، وذلك محال لأن جميع أجزائه صالح للإزالة ، واختصاص البعض بذلك ترجيح من غير مرجح وهو محال ، وإما أن يصير الكل مؤثرا في الإزالة فيلزم أن يجتمع على المعلول الواحد علل مستقلة وذلك محال ، فقد ثبت بهذه الوجوه العقلية فساد القول بالإحباط ، وعند هذا تعين في الجواب قولان :

الأول : قول من اعتبر الموافاة ، وهو أن شرط حصول الإيمان أن لا يموت على الكفر ، فلو مات على الكفر علمنا أن ما أتى به أولا كان كفرا ، وهذا قول ظاهر السقوط .

الثاني : أن العبد لا يستحق على الطاعة ثوابا ولا على المعصية عقابا استحقاقا عقليا واجبا ، وهو قول أهل السنة واختيارنا ، وبه يحصل الخلاص من هذه الظلمات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث