الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الرابعة عشرة : " مثلا " نصب على التمييز ، كقولك لمن أجاب بجواب غث : ماذا أردت بهذا جوابا ؟ ولمن حمل سلاحا رديئا : كيف تنتفع بهذا سلاحا ؟ أو على الحال كقوله : ( هذه ناقة الله لكم آية ) [ الأعراف : 73 ] .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الخامسة عشرة : اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما حكى عنهم كفرهم واستحقارهم كلام الله بقوله : ( ماذا أراد الله بهذا مثلا ) أجاب عنه بقوله : ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ) ونريد أن نتكلم ههنا في الهداية والإضلال ليكون هذا الموضع كالأصل الذي يرجع إليه في كل ما يجيء في هذا المعنى من الآيات ، فنتكلم أولا في الإضلال فنقول : إن الهمزة تارة تجيء لنقل الفعل من غير المتعدي إلى المتعدي كقولك : خرج ؛ فإنه غير متعد ، فإذا قلت : أخرج ، فقد جعلته متعديا ، وقد تجيء لنقل الفعل من المتعدي إلى غير المتعدي كقولك : كببته فأكب ، وقد تجيء لمجرد الوجدان . حكي عن عمرو بن معديكرب أنه قال لبني سليم : قاتلناكم فما أجبناكم ، وهاجيناكم فما أفحمناكم ، وسألناكم فما أبخلناكم . أي فما وجدناكم جبناء [ ص: 127 ] ولا مفحمين ولا بخلاء . ويقال : أتيت أرض فلان فأعمرتها ؛ أي وجدتها عامرة ، قال المخبل :


                                                                                                                                                                                                                                            تمنى حصين أن يسود خزاعة فأمسى حصين قد أذل وأقهرا



                                                                                                                                                                                                                                            أي وجد ذليلا مقهورا ، ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يقال : الهمزة لا تفيد إلا نقل الفعل من غير المتعدي إلى المتعدي ؟ فأما قوله : كببته فأكب ، فلعل المراد كببته فأكب نفسه على وجهه ، فيكون قد ذكر الفعل مع حذف المفعولين ، وهذا ليس بعزيز . وأما قوله ، قاتلناكم فما أجبناكم ، فالمراد ما أثر قتالنا في صيرورتكم جبناء . وما أثر هجاؤنا لكم في صيرورتكم مفحمين ، وكذا القول في البواقي ، وهذا القول الذي قلناه أولى ؛ دفعا للاشتراك . إذا ثبت هذا فنقول قولنا : أضله الله ، لا يمكن حمله إلا على وجهين :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : أنه صيره ضالا ، والثاني : أنه وجده ضالا ، أما التقدير الأول وهو أنه صيره ضالا فليس في اللفظ دلالة على أنه تعالى صيره ضالا عن ماذا ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه صيره ضالا عن الدين . والثاني : أنه صيره ضالا عن الجنة ، أما الأول وهو أنه تعالى صيره ضالا عن الدين ، فاعلم أن معنى الإضلال عن الدين في اللغة هو الدعاء إلى ترك الدين وتقبيحه في عينه ، وهذا هو الإضلال الذي أضافه الله تعالى إلى إبليس فقال : ( إنه عدو مضل مبين ) [ القصص : 15 ] ، وقال : ( ولأضلنهم ولأمنينهم ) [ النساء : 119 ] ، ( وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ) [ فصلت : 29 ] ، وقال : ( وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل ) [ النمل : 24 ] ، ( وقال الشيطان ) [ إبراهيم : 22 ] ، إلى قوله : ( وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) [ إبراهيم : 22 ] ، وأيضا أضاف الله تعالى هذا الإضلال إلى فرعون فقال : ( وأضل فرعون قومه وما هدى ) [ طه : 79 ] .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أن الأمة مجمعة على أن الإضلال بهذا المعنى لا يجوز على الله تعالى ؛ لأنه تعالى ما دعا إلى الكفر وما رغب فيه بل نهى عنه وزجر وتوعد بالعقاب عليه ، وإذا كان المعنى الأصلي للإضلال في اللغة ليس إلا هذا ، وهذا المعنى منفي بالإجماع ثبت انعقاد الإجماع على أنه لا يجوز إجراء هذا اللفظ على ظاهره .

                                                                                                                                                                                                                                            وعند هذا افتقر أهل الجبر والقدر إلى التأويل ، أما أهل الجبر فقد حملوه على أنه تعالى خلق الضلال والكفر فيهم وصدهم عن الإيمان وحال بينهم وبينه ، وربما قالوا : هذا هو حقيقة اللفظ في أصل اللغة ؛ لأن الإضلال عبارة عن جعل الشيء ضالا كما أن الإخراج والإدخال عبارة عن جعل الشيء خارجا وداخلا ، وقالت المعتزلة : هذا التأويل غير جائز لا بحسب الأوضاع اللغوية ولا بحسب الدلائل العقلية .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية