الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

766 187 - ( حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن نعيم بن عبد الله المجمر ، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي ، عن أبيه ، عن رفاعة بن رافع الزرقي قال : كنا يوما نصلي وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما رفع رأسه من الركعة قال : سمع الله لمن حمده قال رجل وراءه : ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، فلما انصرف قال : من المتكلم ؟ قال : أنا قال : رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول ) .

التالي السابق


مطابقته للترجمة ظاهرة ، وقد بيناه في أول الباب .

( ذكر رجاله ) :

وهم ستة : الأول : عبد الله بن مسلمة القعنبي . الثاني : مالك بن أنس . الثالث : نعيم - بضم النون - ابن عبد الله المجمر بلفظ الفاعل من الإجمار ، وقد مر ذكره في باب فضل الوضوء ، وهو صفة لنعيم ولأبيه أيضا . الرابع : علي بن يحيى بن خلاد - بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام وبالدال المهملة - الزرقي - بضم الزاي وفتح الراء وبالقاف - الأنصاري المدني ، مات سنة تسع وعشرين ومائة . الخامس : أبوه يحيى بن خلاد بن رافع حنكه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . السادس : عمه رفاعة - بكسر الراء وتخفيف الفاء وبعد الألف عين مهملة - [ ص: 75 ] ابن رافع - بالراء وبالفاء - ابن مالك الزرقي ، شهد المشاهد ، روي له أربعة وعشرون حديثا ، للبخاري ثلاثة ، مات زمن معاوية رضي الله تعالى عنه .

( ذكر لطائف إسناده ) :

فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه العنعنة في خمسة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه عن علي بن يحيى ، وفي رواية ابن خزيمة أن علي بن يحيى حدثه ، وفيه أن رجاله كلهم مدنيون ، وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر ; لأن نعيما أكبر سنا من علي بن يحيى وأقدم سماعا منه ، وفيه رواية ثلاثة من التابعين في نسق واحد وهم من بين مالك والصحابي ، وفيه من وجه رواية الصحابي عن الصحابي ; لأن يحيى بن خلاد مذكور في الصحابة رضي الله تعالى عنهم .

والحديث أخرجه أبو داود أيضا عن القعنبي ، عن مالك . وأخرجه النسائي ، عن محمد بن مسلمة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن مالك به .

ذكر معناه :

قوله : “ يوما " يعني في يوم من الأيام . قوله : " قال رجل وراءه “ أي وراء النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ، ولفظ " وراءه " في رواية الكشميهني ، وليس بموجود في رواية غيره . والمراد بهذا الرجل هو رفاعة بن رافع راوي الخبر قاله ابن بشكوال . واحتج في ذلك بما رواه النسائي وغيره عن قتيبة ، عن رفاعة بن يحيى الزرقي ، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة ، عن أبيه قال : " صليت خلف النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فعطست فقلت : الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه ، كما يحب ربنا ويرضى ، فلما صلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - انصرف فقال : من المتكلم في الصلاة ؟ فلم يكلمه أحد ، ثم قالها الثانية : من المتكلم في الصلاة ؟ فقال رفاعة بن رافع : أنا يا رسول الله ، قال : كيف قلت ؟ قال : قلت : الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه ، كما يحب ربنا ويرضى ، فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - : والذي نفسي بيده لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا أيهم يصعد بها " . انتهى .

قيل : هذا التفسير فيه نظر ; لاختلاف القصة . وأجيب بأنه لا تعارض بين الحديثين ; لاحتمال أنه وقع عطاسه عند رفع رأس النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يذكر نفسه في حديث الباب لقصد إخفاء عمله وطريق التجريد ، ويجوز أن يكون بعض الرواة نسي اسمه وذكره بلفظ الرجل ، وأما الزيادة التي في رواية النسائي فلاختصار الراوي إياها ، فلا يضر ذلك .

فإن قلت : ما هذه الصلاة التي ذكرها رفاعة بقوله : " كنا نصلي يوما " ؟ - قلت : بين ذلك بشر بن عمر الزهراني في روايته عن رفاعة أن هذه الصلاة كانت صلاة المغرب .

قوله : “ حمدا " منصوب بفعل مضمر دل عليه قوله : " لك الحمد " . قوله : " طيبا " أي خالصا عن الرياء والسمعة . قوله : " مباركا فيه “ أي كثير الخير ، وأما قوله في رواية النسائي " مباركا عليه " فالظاهر أنه تأكيد للأول ، وقيل : الأول بمعنى الزيادة ، والثاني بمعنى البقاء . قوله : " فلما انصرف “ أي من صلاته . قوله : " قال : من المتكلم ؟ " أي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - من المتكلم بهذه الكلمات ؟

قوله : “ بضعة وثلاثين ملكا " ويروى " بضعا وثلاثين " والبضع - بكسر الباء وفتحها - هو ما بين الثلاث والتسع ، تقول : بضع سنين وبضعة عشر رجلا ، وقال الجوهري : إذا جاوزت العشرة ذهب البضع لا تقول : بضع وعشرون . قلت : الحديث يرد عليه ; لأنه - صلى الله عليه وسلم - أفصح الفصحاء ، وقد تكلم به .

( فإن قلت ) : ما الحكمة في تخصيص هذا العدد بهذا المقدار . قلت : قد استفتح علي هاهنا من الفيض الإلهي أن حروف هذه الكلمات أربعة وثلاثون حرفا ، فأنزل الله تعالى بعدد حروفها ملائكة ، فتكون أربعة وثلاثين ملكا في مقابلة كل حرف ملك تعظيما لهذه الكلمات ، وقس على هذا ما وقع في رواية النسائي التي ذكرناها الآن ، وعلى هذا أيضا ما وقع في حديث مسلم من رواية أنس : " لقد رأيت اثني عشر ملكا يبتدرونها " ، وفي حديث أبي أيوب عند الطبراني " ثلاثة عشر " .

( فإن قلت ) : هؤلاء الملائكة غير الحفظة أم لا ؟ قلت : الظاهر أنهم غيرهم ، ويدل عليه حديث أبي هريرة ، رواه البخاري ومسلم عنه مرفوعا " إن لله ملائكة يطوفون في الطريق ويلتمسون أهل الذكر " ، وقد يستدل بهذا أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة .

قوله : “ قال : أنا " أي قال الرجل : أنا المتكلم يا رسول الله . ( فإن قلت ) : كرر - صلى الله عليه وسلم - سؤاله في رواية النسائي ، كما مر ، والإجابة كانت واجبة عليه ، بل وعلى غيره أيضا ممن سمع رفاعة ، فإن سؤاله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن لمعين . قلت : لما لم يكن سؤاله - صلى الله عليه وسلم - لمعين لم تتعين المبادرة بالجواب لا من المتكلم ، ولا من غيره ، فكأنهم انتظروا من يجيب منهم . ( فإن قلت ) : [ ص: 76 ] ما حملهم على ذلك ؟ قلت : خشية أن يبدو في حقه شيء ظنا منهم أنه أخطأ فيما فعل ورجاء أن يقع العفو عنه ، والدليل على ظنهم ذلك ما جاء في رواية ابن قانع من حديث سعيد بن عبد الجبار ، عن رفاعة بن يحيى ، قال رفاعة : " فوددت أني أخرجت من مالي وأني لم أشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الصلاة " .

قوله : “ يبتدرونها " أي يسعون في المبادرة يقال : ابتدروا السلاح أي سارعوا إلى أخذه ، وفي رواية النسائي " أيهم يصعد بها أول " ، وفي رواية الطبراني من حديث أبي أيوب " أيهم يرفعها " .

قوله : “ أيهم " بالرفع على أنه مبتدأ وخبره هو قوله : “ يكتبها " ، ويجوز في " أيهم " النصب على تقدير : ينظرون أيهم يكتبها ، وأي موصولة عند سيبويه ، والتقدير : يبتدرون الذي هو يكتبها أول .

قوله : “ أول " مبني على الضم بأن حذف المضاف إليه منه ، تقديره : أولهم ، يعني كل واحد منهم يسرع ليكتب هذه الكلمات قبل الآخر ويصعد بها إلى حضرة الله تعالى ; لعظم قدرها ، ويروى " أول " بالفتح ، ويكون حالا .

( فإن قلت ) : ما الفرق بين " يكتبها أول " وبين " يصعد بها " ؟ قلت : يحمل على أنهم يكتبونها ، ثم يصعدون بها ، وقال الجوهري : أصل «أول" «أوأل" على وزن «أفعل" مهموز الوسط ، فقلبت الهمزة واوا وأدغمت الواو في الواو ، وقيل : أصله «وول" على «فوعل ، فقلبت الواو الأولى همزة ، وإذا جعلته صفة لم تصرفه ، تقول : لقيته عاما أول ، وإذا لم تجعله صفة صرفته نحو رأيته أولا .

( ذكر ما يستفاد منه ) :

فيه ثواب التحميد لله والذكر له ، وفيه دليل على جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش على من معه ، وفيه دليل على أن العاطس في الصلاة يحمد الله بغير كراهة ; لأنه لم يتعارف جوابا ، ولكن لو قال له آخر : يرحمك الله ، وهو في الصلاة فسدت صلاته ; لأنه يجري في مخاطبات الناس ، فكان من كلامهم ، وبعضهم خصص الحديث بالتطوع ، وهو غير صحيح ; لما بينا أنه كان صلاة المغرب . وروي عن أبي حنيفة أن العاطس يحمد الله في نفسه ، ولا يحرك لسانه ، ولو حرك تفسد صلاته ، كذا في ( المحيط ) . والصحيح خلاف هذا ، كما ذكرنا ، وفيه دليل على أن من كان في الصلاة فسمع عطسة رجل ، لا يتعين عليه تشميته ; ولهذا قلنا لو شمته تفسد صلاته .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث