الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث السابع الدين النصيحة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 215 ] الحديث السابع عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الدين النصيحة ثلاثا قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم رواه مسلم .

التالي السابق


هذا الحديث خرجه مسلم من رواية سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن تميم الداري ، وقد روي عن سهيل وغيره ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وخرجه الترمذي من هذا الوجه ، فمن العلماء من صححه من الطريقين جميعا ، ومنهم من قال : إن الصحيح حديث تميم ، والإسناد الآخر وهم . وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر ، وثوبان ، وابن عباس ، وغيرهم . وقد ذكرنا في أول الكتاب عن أبي داود أن هذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور عليها الفقه . [ ص: 216 ] وقال الحافظ أبو نعيم : هذا الحديث له شأن ، ذكر محمد بن أسلم الطوسي أنه أحد أرباع الدين . وخرجه الطبراني من حديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من لا يهتم بأمر المسلمين ، فليس منهم ، ومن لم يمس ويصبح ناصحا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ، ولعامة المسلمين فليس منهم . وخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله عز وجل : أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي . وقد ورد في أحاديث كثيرة النصح للمسلمين عموما ، وفي بعضها النصح لولاة أمورهم ، وفي بعضها : نصح ولاة الأمور لرعاياهم . فأما الأول - وهو النصح للمسلمين - عموما ، ففي " الصحيحين " عن جرير بن عبد الله قال : بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم . وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : حق المؤمن على المؤمن ست فذكر منها : وإذا استنصحك فانصح له . وروي هذا الحديث من وجوه أخر عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي " المسند " عن حكيم بن أبي يزيد ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا [ ص: 217 ] استنصح أحدكم أخاه ، فلينصح له . وأما الثاني : وهو النصح لولاة الأمور ، ونصحهم لرعاياهم ، ففي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله يرضى لكم ثلاثا : يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم . وفي " المسند " وغيره عن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في خطبته بالخيف من منى ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم جماعة المسلمين وقد روى هذه الخطبة عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم أبو سعيد الخدري . وقد روي من حديث أبي سعيد بلفظ آخر خرجه الدارقطني في " الأفراد " بإسناد جيد ، ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم : [ ص: 218 ] النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين . وفي " الصحيحين " عن معقل بن يسار ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من عبد يسترعيه الله رعية ثم لم يحطها بنصيحة إلا لم يدخل الجنة . وقد ذكر الله في كتابه عن الأنبياء عليهم السلام أنهم نصحوا لأممهم كما أخبر الله بذلك عن نوح ، وعن صالح وقال : ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ( التوبة : 91 ) يعني : أن من تخلف عن الجهاد لعذر ، فلا حرج عليه بشرط أن يكون ناصحا لله ورسوله في تخلفه ، فإن المنافقين كانوا يظهرون الأعذار كاذبين ، ويتخلفون عن الجهاد من غير نصح لله ورسوله . وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدين النصيحة ، فهذا يدل على أن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في حديث جبريل ، وسمى ذلك كله دينا ، فإن النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهها ، وهو مقام الإحسان ، فلا يكمل النصح لله بدون ذلك ، ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة ، ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه وترك المحرمات والمكروهات على هذا الوجه أيضا . وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أرأيتم لو كان لأحدكم عبدان ، فكان أحدهما يطيعه إذا أمره ، ويؤدي إليه إذا ائتمنه ، وينصح له إذا غاب عنه ، وكان الآخر يعصيه إذا أمره ، ويخونه إذا ائتمنه ، ويغشه إذا غاب عنه كانا سواء ؟ قالوا : لا ، قال : فكذاكم أنتم عند الله عز وجل خرجه ابن أبي الدنيا . [ ص: 219 ] وخرج الإمام أحمد معناه من حديث أبي الأحوص عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الفضيل بن عياض : الحب أفضل من الخوف ، ألا ترى إذا كان لك عبدان أحدهما يحبك ، والآخر يخافك ، فالذي يحبك منهما ينصحك شاهدا كنت أو غائبا لحبه إياك ، والذي يخافك عسى أن ينصحك إذا شهدت لما يخاف ويغشك إذا غبت ولا ينصحك . قال عبد العزيز بن رفيع : قال الحواريون لعيسى عليه السلام : ما الخالص من العمل ؟ قال : ما لا تحب أن يحمدك الناس عليه ، قالوا : فما النصح لله ؟ قال : أن تبدأ بحق الله تعالى قبل حق الناس ، وإن عرض لك أمران : أحدهما لله ، والآخر للدنيا ، بدأت بحق الله تعالى . قال الخطابي : النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له ، قال : وأصل النصح في اللغة الخلوص ، يقال : نصحت العسل : إذا خلصته من الشمع . فمعنى النصيحة لله سبحانه : صحة الاعتقاد في وحدانيته ، وإخلاص النية [ ص: 220 ] في عبادته ، والنصيحة لكتابه : الإيمان به ، والعمل بما فيه ، والنصيحة لرسوله : التصديق بنبوته ، وبذل الطاعة له فيما أمر به ، ونهى عنه ، والنصيحة لعامة المسلمين : إرشادهم إلى مصالحهم . انتهي . وقد حكى الإمام أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في كتابه " تعظيم قدر الصلاة " عن بعض أهل العلم أنه فسر هذا الحديث بما لا مزيد على حسنه ، ونحن نحكيه هاهنا بلفظه . قال محمد بن نصر : قال بعض أهل العلم : جماع تفسير النصيحة هو عناية القلب للمنصوح له من كان ، وهي على وجهين : أحدهما فرض ، والآخر نافلة ، فالنصيحة المفترضة لله : هي شدة العناية من الناصح باتباع محبة الله في أداء ما افترض ، ومجانبة ما حرم . وأما النصيحة التي هي نافلة ، فهي إيثار محبته على محبة نفسه ، وذلك أن يعرض أمران ، أحدهما لنفسه ، والآخر لربه ، فيبدأ بما كان لربه ، ويؤخر ما كان لنفسه ، فهذه جملة تفسير النصيحة لله ، الفرض منه والنافلة ، ولذلك تفسير ، وسنذكر بعضه ليفهم بالتفسير من لا يفهم بالجملة . فالفرض منها مجانبة نهيه ، وإقامة فرضه بجميع جوارحه ما كان مطيقا له ، فإن عجر عن الإقامة بفرضه لآفة حلت به من مرض ، أو حبس ، أو غير ذلك ، عزم على أداء ما افترض عليه متى زالت عنه العلة المانعة له ، قال الله عز وجل ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل ( التوبة : 91 ) ، فسماهم محسنين لنصيحتهم لله بقلوبهم لما منعوا من الجهاد بأنفسهم . وقد ترفع الأعمال كلها عن العبد في بعض الحالات ، ولا يرفع عنه النصح لله ، فلو كان من المرض بحال لا يمكنه عمل بشيء من جوارحه بلسان ولا [ ص: 221 ] غيره ، غير أن عقله ثابت ، لم يسقط عنه النصح لله بقلبه وهو أن يندم على ذنوبه ، وينوي إن صح أن يقوم بما افترض الله عليه ، ويجتنب ما نهاه عنه ، وإلا كان غير ناصح لله بقلبه . وكذلك النصح لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيما أوجبه على الناس عن أمر ربه ، ومن النصح الواجب لله أن لا يرضى بمعصية العاصي ، ويحب طاعة من أطاع الله ورسوله . وأما النصيحة التي هي نافلة لا فرض ، فبذل المجهود بإيثار الله على كل محبوب بالقلب وسائر الجوارح حتى لا يكون في الناصح فضل عن غيره ، لأن الناصح إذا اجتهد ، لم يؤثر نفسه عليه ، وقام بكل ما كان في القيام به سروره ومحبته ، فكذلك الناصح لربه ، ومن تنفل لله بدون الاجتهاد ، فهو ناصح على قدر عمله ، غير مستحق للنصح بكماله .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث