الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال الأستاذ الإمام : بقي علينا بيان معنى الآية على القول بأن " من " للتبعيض وتقدير الكلام : ولتكن منكم طائفة متميزة تقوم بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمخاطب بهذا جماعة المؤمنين كافة ، فهم المكلفون أن ينتخبوا منهم أمة تقوم بهذه الفريضة ، فهاهنا فريضتان إحداهما على جميع المسلمين والثانية على الأمة التي يختارونها للدعوة ، ولا يفهم معنى هذا حق الفهم إلا بفهم معنى لفظ الأمة ، وليس معناه الجماعة - كما قيل - وإلا لما اختير هذا اللفظ ، والصواب أن الأمة أخص من الجماعة ، فهي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في بنية الشخص ، والمراد بكون المؤمنين كافة مخاطبين بتكوين هذه الأمة لهذا العمل هو أن يكون لكل فرد منهم إرادة وعمل في إيجادها وإسعادها ، ومراقبة سيرها بحسب الاستطاعة حتى إذا رأوا منها خطأ أو انحرافا أرجعوها إلى الصواب ، وقد كان المسلمون في الصدر الأول لا سيما زمن أبي بكر وعمر على هذا النهج من المراقبة للقائمين بالأعمال العامة ، حتى كان الصعلوك من رعاة الإبل يأمر مثل عمر بن الخطاب - وهو أمير المؤمنين - وينهاه فيما يرى أنه الصواب ، ولا بدع فالخلفاء على نزاهتهم وفضلهم ليسوا بمعصومين ، وقد صرح عمر بخطئه ورجع عن رأيه غير مرة .

قال : ومن العبر في هذا المقام : تنفيذ بلال الحبشي العتيق لأمر عمر بمحاسبة خالد بن الوليد سيد بني مخزوم بعد تبليغه عزله عن قيادة الجيش بالشام . وذكر مجمل القصة ، وهي أن عمر كتب عندما ولي الخلافة إلى أبي عبيدة وهو في جيش على الشام يوليه إمارة الجيش العامة ويعزل خالدا عنها ، وكان الجيش على حصار دمشق أو في اليرموك ( روايتان ) فكتم [ ص: 31 ] أبو عبيدة الأمر وكبر عليه أن يظهره قبل أن يتم لهم النصر ، ولما أبطأ على عمر الجواب كتب إلى أبي عبيدة ثانية يأمره فيه بأن يقرأه على ملأ من المسلمين ، وفيه الإذن بأن يعتقل خالد بعمامته ويحاسب على ما كان منه في إمارته ، فهابه أبو عبيدة لشرفه وشجاعته وبلائه في الحرب وحب الجيش له ، ولكنه لما قرأ الكتاب قام بلال الحبشي من فقراء الموالي ( العتقاء ) وحل عمامة خالد واعتقله بها وسأله عما أمر به عمر ، فخضع وأجاب . فانظروا ما فعل هدي الإسلام بهؤلاء الكرام ، يقوم مولى من الفقراء إلى السيد القرشي العظيم والقائد الكبير فيعقله بعمامته على أعين الملأ الذين كان أميرهم وقائدهم ويحاسبه فيجيبه عن كل ما سأله ، وروي أنه بعد أن أطاع وأجاب داعي الخليفة أعاد إليه بلال قلنسوته وعممه بيده قائلا : نسمع ونطيع ونفخم موالينا ( جمع مولى وهو هنا بمعنى السيد ) ، وروي أيضا أن عمر استحضر خالدا إلى المدينة واعتذر له بعد العتاب بأنه لم يعزله ويأمر فيه بما أمر لريبة وإنما رأى أن الناس افتتنوا به وخاف عليه أن يفتتن بهم ، وقيل إنه قال له : خفت أن يعبدك أهل الشام .

قال الأستاذ الإمام - رحمه الله تعالى - ما مثاله مع شيء من التفصيل : إذا كان كل فرد من أفراد المسلمين مكلفا الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمقتضى الوجه الأول في تفسير الآية ، فهم مكلفون بمقتضى هذا الوجه الثاني أن يختاروا أمة منهم تقوم بهذا العمل لأجل أن تتقنه وتقدر على تنفيذه إن لم يوجد ذلك بطبعه كما كان في زمن الصحابة ، فإقامة هذه الأمة الخاصة فرض عين يجب على كل مكلف أن يشترك فيه مع الآخرين ، ولا مشقة في هذا علينا ، فإنه يتيسر لأهل كل قرية أن يجتمعوا ويختاروا منهم من يرونه أهلا لهذا العمل ، وعبارة الأستاذ : ويختاروا واحدا منهم أو أكثر ، كأنه يريد بالواحد أن ينضم إلى من يختار من سائر القرى والبلاد لأجل الضرب في الأرض للدعوة إلى الإسلام في غير بلاده ، أو لإقامة بعض الفرائض والشعائر ، أو إزالة بعض المنكرات من بلد آخر من بلاد المسلمين ، وإلا فالواجب على أهل القرية أن يختاروا جماعة يصح أن يطلق عليهم لفظ " الأمة " ويعملوا ما تعمله بالاتحاد والقوة ليتولوا إقامة هذه الفريضة فيها ، كما يجب ذلك في كل مجتمع إسلامي سواء كان في الحواضر أو البوادي ، فإن معنى الأمة يدخل فيه معنى الارتباط والوحدة التي تجعل أفرادها على اختلاف وظائفهم وأعمالهم - حتى في إقامة هذه الفريضة عند تشعب الأعمال فيها - كأنهم شخص واحد كما هو ظاهر وصرح به الأستاذ في هذا المقام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث