الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ثم إنه بعد هذا البيان المنبه لهم إلى استعدادهم ضرب لهم هذا المثل في غيرهم كما ضرب لهم المثل قبل ذلك في أنفسهم بتمنيهم الموت فقال : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ( كأين ) بمعنى " كم " الخبرية ، ومعناها أن ما دخلت عليه كثير ، وفيها لغتان فصيحتان مشهورتان " كائن " بوزن فاعل مبنية على السكون ، وبها قرأ ابن كثير ، و " كأين " بفتح الهمزة وتشديد الياء المكسورة وسكون النون - التي قالوا : إن أصلها التنوين أثبت له صورة في الخط كما ينطق به في هذه الكلمة الخاصة - وبها قرأ الباقون . وقالوا : إن أصلها " أي " الاستفهامية دخلت عليها كاف التشبيه فصارت كلمة مستقلة لا معنى فيها للتشبيه ولا للاستفهام .

                          [ ص: 141 ] والربيون قال في الكشاف : هم الربانيون " وقرئ بالحركات الثلاث ، فالفتح على القياس والضم والكسر من تغييرات النسب " وقد تقدم ذكر الربانيين في آية 79 من هذه السورة ، وهو جمع رباني نسبة إلى الرب ، وزيادة الألف والنون فيها كزيادتها في جسماني . وقيل غير ذلك ، وقول الكشاف " من تغييرات النسب " معناه : أن العرب قد تغير الاسم المنسوب ، كما قالوا في النسبة إلى البصرة بصري بكسر الباء ، وإلى الدهر دهري بضم الدال . وقال الفراء : الربيون الأولون . وقال الزجاج : هم الجماعات الكثيرة وأحدها ربي ، قال ابن قتيبة : أصله من الربة وهي الجماعة ، ويروى مثله عن ابن عباس . وقال ابن زيد : الربانيون الأئمة والولاة ، والربيون الرعية وهم المنتسبون إلى الرب ، والأول هو الظاهر المختار ، وتقدم معنى الوهن والضعف . والاستكانة : ضرب من الخضوع هو عبارة عن سكون الإنسان لخصمه ليفعل به ما يريد .

                          والمعنى : أن كثيرا من النبيين الذين خلوا قد قاتل معهم كثير من المؤمنين بهم المنتسبين إلى الرب تعالى في وجهة قلوبهم وفي أعمالهم ، المعتقدين أن النبيين والمرسلين هداة ومعلمون لا أرباب معبودون ،فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله أي ما ضعف مجموعهم بما أصاب بعضهم من الجرح وبعضهم من القتل ، وإن كان المقتول هو النبي نفسه ; لأنهم يقاتلون في سبيل الله وهو ربهم لا في سبيل شخص نبيهم ، وإنما حظهم من نبيهم تبليغه عن ربهم وبيانه لهدايته وأحكامه وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين [ 18 : 56 ] وما ضعفوا عن جهادهم ولا استكانوا ولا ولوا بالانقلاب على أعقابهم ، بل ثبتوا بعد قتل نبيهم كما ثبتوا معه في حياته ; لأن علة الثبات في الحالين واحدة ، وهي كون الجهاد في سبيل الله ، أي في الطريق التي يرضاها الله كحفظ الحق وحمايته وتقرير العدل وإقامته ، وما يتبع ذلك ويلزمه . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب " قتل معه " ; ولذلك رسمت الكلمة في المصحف الإمام بغير ألف لتوافق القراءتين ، أي استشهدوا في القتال معه أو قتلوا كما قتل هو ، وزعم بعضهم أنه لم يقتل نبي في الحرب ، وهو نفي غير مسلم لا سيما في النبيين غير المرسلين ، ومن ذا يتجرأ على الإحاطة بالرسل علما والله يقول لنبيه : ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك [ 4 : 164 ] ومن التفسير المأثور قول قتادة : فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ، وما عجزوا وما تضعضعوا لقتل نبيهم ، وما استكانوا أي ما ارتدوا عن نصرتهم ولا عن دينهم . وقال ابن إسحاق : فما وهنوا لقتل النبي وما ضعفوا عن عدوهم ، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله للناس وعن دينهم ، وذلك هو الصبر والله يحب الصابرين اهـ . وقد تقدم معنى حب الله للناس في أوائل هذه السورة ، أي وإذا كان يحب الصابرين أمثالهم فعليكم أن تعتبروا بحالهم ، فإن دين الله واحد ، وسنته [ ص: 142 ] في خلقه واحدة ; ولذلك هديتم إلى السنن وأمرتم بمعرفة عاقبة من سبقكم من الأمم ، فاقتدوا بعمل الصادقين الصابرين ، وقولوا مثل قول أولئك الربيين :

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية