الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 47 ] كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون

بعد ما أمر الله - تعالى - بالاعتصام بحبله وذكر بنعمته على المؤمنين بتأليف القلوب وأخوة الإسلام ، وبعد ما نهى عن التفرق في الأهواء والاختلاف في الدين ، وتوعد على ذلك بالعذاب العظيم - بين فضل المعتصمين بحبله ، المتآخين في دينه ، المتحابين فيه ، ووصفهم بهذا الوصف الشريف كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله فعلم منه أن خيرية الأمة وفضلها على غيرها تكون بهذه الأمور : الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والإيمان بالله - تعالى - .

في قوله - تعالى - : كنتم ثلاثة أوجه :

( الوجه الأول ) أنها تامة فالمعنى وجدتم خير أمة كأنه قال : أنتم خير أمة في الوجود الآن ; لأن جميع الأمم غلب عليها الفساد فلا يعرف فيها المعروف ولا ينكر فيها المنكر ، وليست على الإيمان الصحيح الذي يزع أهله عن الشر ويصرفهم إلى الخير وأنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله إيمانا صحيحا يظهر أثره في العمل .

( الوجه الثاني ) أنها ناقصة والمعنى حينئذ كنتم في الأمم السابقة كما في كتبها المبشرة بكم خير أمة إلخ . وقال أبو مسلم : إن هذا القول يقال لمن ابيضت وجوههم ، والمعنى : كنتم فيما سبق من أيام حياتكم خير أمة شأنكم كذا وكذا ; وبذلك كان لكم هذا الجزاء الحسن ، فالكلام عنده تتمة للآيات السابقة فكما ذكر فيها ما يقال لمن اسودت وجوههم ذكر أيضا ما يقال لمن ابيضت وجوههم ، وقيل على هذا - أي كونها ناقصة - غير ذلك .

[ ص: 48 ] ( الوجه الثالث ) أن " كان " هنا بمعنى صار أي صرتم خير أمة وهذا أضعف الأقوال .

إذا فسرت كلمة كنتم بغير ما قاله أبو مسلم كانت الجملة شهادة من الله - تعالى - للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومن اتبعه من المؤمنين الصادقين إلى زمن نزولها بأنها خير أمة أخرجت للناس بتلك المزايا الثلاث ، ومن اتبعهم فيها كان له حكمهم لا محالة ، ولكن هذه الخيرية لا يستحقها من ليس لهم من الإسلام واتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا الدعوى وجعل الدين جنسية لهم ، بل لا يستحقها من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحج البيت الحرام والتزم الحلال واجتنب الحرام مع الإخلاص الذي هو روح الإسلام إلا بعد القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبالاعتصام بحبل الله مع اتقاء التفرق والخلاف في الدين .

قال الأستاذ الإمام ما معناه : هذا الوصف يصدق على الذين خوطبوا به أولا ، وهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الذين كانوا معه - عليهم الرضوان - ، فهم الذين كانوا أعداء فألف الله بين قلوبهم فكانوا بنعمته إخوانا ، وهم الذين اعتصموا بحبل الله ولم يتفرقوا في الدين فيذهبوا فيه مذاهب تتعصب لكل مذهب شيعة منهم ، وهم الذين كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يخاف في ذلك ضعيف قويا ، ولا يهاب صغير كبيرا ، وهم المؤمنون بالله ذلك الإيمان الذي استولى على عقولهم وقلوبهم ومشاعرهم ، وملك أزمة أهوائهم حتى كان هو المسير لهم في عامة أحوالهم - ذلك الإيمان الذي بين - سبحانه - خواصه وصفاته في آيات كثيرة ، وظهرت فوائده وآثاره في تغيير هيئة الأرض على أيديهم - ذلك الإيمان الذي قال - تعالى - في أهله : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون [ 49 : 15 ] وقال فيهم : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون [ 8 : 2 ] إلى قوله : أولئك هم المؤمنون حقا [ 8 : 4 ] وقال فيهم قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون [ 23 : 1 ، 2 ] إلى آخر الآيات التي تحقق معناها ومعنى أمثالها في أولئك الأصحاب الذين كانوا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - .

أقول : هذا ما قاله الأستاذ الإمام في الجملة إلا أن كلمة " وأصحابه الذين كانوا معه " هي من لفظه يريد أن هذه الصفات العالية والمزايا الكاملة لذلك الإيمان الكامل لم تكن لكل من يطلق عليه المحدثون اسم الصحابي كالأعرابي الذي يسلم ويرى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو مرة واحدة ، وكأنه أخذ ذلك من قوله - تعالى - : محمد رسول الله والذين معه [ 48 : 29 ] فهم الذين تصدق عليهم تلك الصفات الجليلة ، وأفضلها وأعلاها الجهاد والهجرة إلى المدينة بالنسبة إلى غير أهلها والإيواء والنصر من أهلها ; لذلك قال - تعالى - في آخر سورة الأنفال : والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم [ ص: 49 ] [ 8 : 74 ، 75 ] ولم يهاجر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - منافق ; لأن الهجرة كانت في زمن الضعف وإنما يكون النفاق في زمن القوة ، ومنافقو المدينة لم ينصروه - صلى الله عليه وسلم - وإنما كانوا يخذلون ويثبطون الصادقين من المؤمنين ويغرون الأعداء بهم ، قال - تعالى - فيهم : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون [ 9 : 47 ، 48 ] . وروي عن ابن عباس أن المراد بالآية المهاجرون الأولون ، وعن عمر أنها في خاصة الصحابة ومن صنع مثل صنيعهم .

فإن قيل : إن بعض أولئك الصحابة الصادقين من المهاجرين والأنصار قد تفرقوا واختلفوا في الفتنة التي أثارها معاوية على علي أمير المؤمنين فهل خرجت الأمة بذلك عن كونها خير أمة أخرجت للناس ؟ فالجواب من ثلاثة وجوه :

( أحدها ) أن ذلك الخلاف والتفرق لم يكن في الدين وإنما كان في أمر دنيوي لم يتغير به اعتقاد أهل الفريقين ، ولم يحدث به مذهب جديد في الإسلام ، فالدين نفسه لم يطرأ عليه شيء من ذلك الخلاف .

( ثانيها ) أن معاوية الذي أثار ذلك التفرق لم يكن من المهاجرين الأولين ; فإنه أسلم عام فتح مكة الذي انقطعت به الهجرة ، أو أظهر إسلامه في ذلك العام كما قال الواقدي : إنه أسلم عام الحديبية ، وأنه كان في عمرة القضاء مسلما . قال الحافظ في الإصابة بعد نقل قول الواقدي : وهذا يعارضه ما ثبت في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في العمرة في أشهر الحج : " فعلناها وهذا يومئذ كافر " : يعني معاوية . وسواء صح قول الواقدي أو لا فمعاوية لم يهاجر ، ونقل ابن سعد عنه أنه كان يقول : لقد أسلمت قبل عمرة القضاء ولكني كنت أخاف أن أخرج إلى المدينة لأن أمي كانت تقول : إن خرجت قطعنا عنك القوت ، وما كان مع معاوية من المهاجرين الأولين إلا قليل اعتقدوا أنه يطالب بحق لا يلبث أن يناله - وهو القصاص من قاتلي عثمان - ثم يدخل فيما دخل فيه الناس من مبايعة علي .

( ثالثها ) قد عرف المطلعون على التاريخ أن الصحابة لم يفرطوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما وجدوا ، وإنما ضعف ذلك بعد انقراض أكثرهم ، وهذان الركنان هما بعد الإيمان أعظم أركان خيرية الأمة ، فما عرض من التفرق الدنيوي والخلاف بعد قتل عثمان لم يلبث أن زال بعد قتل علي ; لأن التفرق والخلاف لا يدوم في أمة تقيم هذين الركنين ولو بغير [ ص: 50 ] نظام ، ولو كان لهما نظام في الصدر الأول لما وقع كل ذلك الذي وقع . ألم يهد لك كيف كان الناس يغلظون لمعاوية في إنكار ما ينكرونه عليه حتى غير الصحابة منهم ؟

الحق أقول : إن هذه الأمة ما فتئت خير أمة خرجت للناس حتى تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وما تركتهما رغبة عنهما أو تهاونا بأمر الله - تعالى - بإقامتهما ، بل مكرهة باستبداد الملوك والأمراء من بني أمية ومن سار على طريقهم ممن بعدهم ، وقد كان أول أمير منهم أظهر هذه الفتنة جهرا عبد الملك بن مروان إذ قال على المنبر : " من قال لي اتق الله ضربت عنقه " فقد كانت شجرة بني مروان الخبيثة هي التي سنت في هذه الأمة سنة الاستبداد ، فما زال يعظم ويتفاقم حتى سلب الأمة أفضل مزاياها في دينها ودنياها بعد الإيمان .

وقد بين ( الفخر الرازي ) في تفسيره نحو ما تقدم من كون وصف الأمة هنا بالأمر والنهي والإيمان علة لكونها خير أمة أخرجت للناس فقال :

" واعلم أن هذا الكلام مستأنف والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية كما تقدم : زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم . وتحقيق الكلام أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف ، فهاهنا حكم - تعالى - بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة ، ثم ذكر عقيبه هذا الحكم وهذه الطاعات ; أعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان ، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبادات " ثم أورد سؤالا وذكر الجواب عنه فقال :

" من أي وجه يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله كون هذه الأمة خير الأمم مع أن هذه الصفات كانت حاصلة في سائر الأمم ؟ والجواب : قال القفال : تفضيلهم على الأمم الذين كانوا قبلهم إنما حصل لأجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بآكد الوجوه وهو القتال ; لأن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد وأقواها ما يكون بالقتال لأنه إلقاء النفس في خطر القتل ، وأعرف المعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة ، وأنكر المنكرات الكفر بالله ، فكان الجهاد في الدين محملا لأعظم المضار لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع وتخليصه من أعظم المضار ، فوجب أن يكون الجهاد أعظم العبادات . ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع لا جرم صار ذلك موجبا لفضل هذه الأمة على سائر الأمم . وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية قوله : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ، ويقروا بما أنزل الله وتقاتلونهم عليه ، ولا إله إلا الله أعظم المعروف ، والتكذيب هو أنكر المنكر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث