الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف

جزء التالي صفحة
السابق

ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم أي لو آمنوا الإيمان الصحيح الذي يستولي على النفوس ويملك أزمة الأهواء فيكون مصدرا لأحاسن الأعمال كما تؤمنون أنتم لكان خيرا لهم مما يدعون من الإيمان التقليدي الذي لا يزع عن الشرور ، ولا يرفع صاحبه إلى معالي الأمور ، وبهذا التفسير يندفع سؤال ثالث للرازي وهو : لم اكتفي بذكر الإيمان بالله ولم يذكر الإيمان بالنبوة ؟ فإذا كان الكلام تعريضا بأن القوم لا يؤمنون بالله إيمانا صحيحا فأي حاجة إلى ذكر الإيمان بغيره ، على أنه لو ذكر غير ذلك لكان المناسب أن يذكر الإيمان برسوله وهو محل خلاف بين الفريقين ، أو الإيمان بالرسل كافة وأهل الكتاب اشتهروا بذلك ، وجواب الرازي تكلف ظاهر . ثم صرح بعد التعريض بأنهم لو آمنوا لكان خيرا لهم ولم يقل لو آمنوا بالله بل أطلق ليدل على أن إيمانهم بكل ما يؤمنون به غير صحيح ; لأنه لم يأت بثمرات الإيمان الصحيح كما قلنا آنفا .

وجعل الأستاذ الإمام هذه الجملة متعلقة بمجموع الكلام السابق فقال : إنه بعد ما نهانا - سبحانه - عن التفرق والاختلاف كما تفرق أهل الكتاب بعد ما جاءهم البينات ، وأمرنا بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وذكر أننا خير أمة أخرجت للناس بهذا أو بالإيمان الحقيقي الذي يقترن بالإذعان النفسي والاتباع العملي - ناسب أن يذكر أن أهل الكتاب المختلفين ليسوا مؤمنين هذا الإيمان الخالص الذي يحبه الله - تعالى - ويرضاه ، وهو الذي يكون الأمر بالمعروف ثمرة من ثماره ، والنهي عن المنكر أثرا من آثاره ، فعلمنا أن المراد بهذا الإيمان شيء أخص من الإيمان العرفي الذي يدعيه كل أحد له دين وكتاب بل هو ما عرفناه آنفا وقبل ذلك ، والكلام يشعر بأنه لا يوجد فيهم مؤمن هذا الإيمان الإذعاني الذي يصحبه الإخلاص والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مع أنه لا يمكن أن تعرى منه أمة لها دين سماوي ، والواقع أنه كان في أهل الكتاب مؤمنون مخلصون ; ولذلك قال - تعالى - : منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون فعلم أن الحكم الأول على الأمة إنما هو حكم على أكثر أفرادها فهم الذين فسقوا عن حقيقة الدين ولم يبق عندهم منه إلا بعض الرسوم والتقاليد الظاهرة ، فالكلام استئناف بياني لا استطراد كما قيل .

هذا ما يؤخذ من كلام الأستاذ الإمام . وجمهور المفسرين على أن المعنى : ولو آمن [ ص: 54 ] أهل الكتاب بما آمنتم به كما آمنتم لكان خيرا لهم في الدنيا والآخرة ، ولكن آمن بعضهم فمنهم المؤمنون كعبد الله بن سلام ورهطه من اليهود والنجاشي ورهطه من النصارى وأكثرهم فاسقون عن دينهم أي خارجون منه ، أو فاسقون في دينهم غير عدول فيه فلا حصلوا الإسلام وهو أكمل الأديان ولا تمسكوا بما عندهم ، أو أكثرهم متمردون في الكفر . هكذا اختلف تعبيرهم فيؤخذ منه أنه لم يكن في أهل الكتاب أحد متمسك بدينه مخلصا فيه ، عاملا بأوامره ونواهيه ، وهذا غير معقول ولا موافق لما عرف من طبيعة البشر من ميل أناس منهم إلى الغلو في الدين واعتدال أناس آخرين وميل غير هؤلاء وأولئك إلى الفسوق والعصيان ، فما من أهل دين إلا وفيهم الفرق الثلاث ، وإنما يكثر الاستمساك بالدين في أوائل ظهوره ، ويكثر الفسق بعد طول الأمد عليه . قال - تعالى - : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون [ 57 : 16 ] فماعدا هذا الكثير هم المستمسكون بدينهم ، والقرآن لم يحكم على أمة بالضلال والفسق بنص عام يستغرق جميع الأفراد ، بل يعبر تارة بالكثير وتارة بالأكثر ، وإذا أطلق أداة العموم يستثني بمثل قوله في بني إسرائيل : ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون [ 2 : 83 ] وقوله فيهم : فلا يؤمنون إلا قليلا [ 4 : 155 ] أو يحكم على البعض ابتداء كما تقدم في قوله : ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك [ 3 : 75 ] الآية . وقال - تعالى - فيهم : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون [ 7 : 159 ] وقال فيهم وفي النصارى : منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون [ 5 : 66 ] وسيأتي تفسيرها ، فقد أثبت لبعضهم الإيمان والاقتصاد أي الاعتدال في الدين والهداية بالحق والعدل ، وقال : لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك [ 4 : 162 ] فجعل أهل العلم الذين يفهمون الدلائل والبراهين ، وأهل الإيمان المخلصين الذين يتحرون الحق هم الذين يقبلون دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوة استعدادهم . ولكن المفسر المتشبع بأحوال أمته الذي لم يختبر غيرها ولم يكن عارفا بطبائع الملل وحقائق الاجتماع البشري لا يكاد يتصور أن الإيمان والإخلاص والتقوى توجد عند غير أهل ملته ، فهو يطبق الآيات على اختباره واعتقاده ، وقد تذكرت الآن ما قالته تلك المرأة الإفرنجية للأستاذ الإمام في مدينة جنيف عاصمة سويسرا ، وكانت امرأة عالمة تقية راقبت سير الأستاذ الإمام في مصيفه هناك لغرابة زيه ودينه ، ثم قالت له بعد ذلك : إنني لم أكن أظن ولا يخطر في بالي قبل معرفتك أن القداسة والتقوى في غير المسيحية .

وجملة القول : أن القرآن يبين حقائق ما عليه الأمم في عقائدها وأخلاقها وأعمالها ، يزن ذلك بالقسطاس المستقيم ، والدقة التي نراها في تحريه الحقيقة لم نعهدها في كتاب عالم ولا مؤرخ ، فإذا نحن جمعنا ما حكم به على أهل الكتاب وغيرهم وعرضناه على علمائهم [ ص: 55 ] وفلاسفتهم ومؤرخيهم فإنهم يذعنون بأنه لباب الحقيقة ، بل هم يصرحون بأنه لولا غلبة الضلال والفسق والكفر عليهم في عصر ظهور الإسلام لما انتشر ذلك الانتشار السريع .

ولكن وجد فينا من طمس هذه المزية وجعلوا كل ما ينكره القرآن من فساد الأمم من قبيل هجو غير المسلمين ، وكل ما يحمده هو خاص بالمسلمين ، حتى كأنه شعر لا يقصد منه إلا مدح أناس وذم آخرين ، وبهذا ينفرون غير المسلمين من الإسلام ، ويحولون بين المسلمين وبين العبرة والاتعاظ وفهم الحقائق . ولهذا البحث بقية تأتي في تفسير ليسوا سواء إلخ ، واستدل بعض المفسرين بالآية على حجية الإجماع المعروف في الأصول فحملها مالا تحمل .

ثم قال - تعالى - في أولئك الفاسقين من أهل الكتاب : لن يضروكم إلا أذى أي إنهم يقدرون على إيقاع الضرر بكم ولكن يؤذونكم بنحو الكلام القبيح كالخوض في النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أو إلا ضررا خفيفا ليس له كبير تأثير وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار تولية الأدبار : كناية عن الانهزام لأن المنهزم يحول ظهره إلى جهة مقاتله ويستدبره في هربه منه ، فيكون دبره أي قفاه إلى جهة وجه من انهزم هو منه . ثم لا ينصرون عليكم بعد ذلك ، أو ثم إنهم لا ينصرون عليكم قط ما داموا على فسقهم ودمتم على خيريتكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله . وعلى هذا تكون الجملة إخبارية مستقلة لا تدخل في جواب الشرط ولذلك وردت بنون الرفع . وفي هذه الآية ثلاث بشارات من الإخبار بالغيب ، وكلها تحققت وصدق الله وعده .

وقد أورد " الرازي " على الوعد بأنهم لا ينصرون : أنه يصدق في اليهود دون النصارى أي إن اليهود هم الذين لم ينصروا على المسلمين بعد ما كان من انكسارهم في الحجاز ، وأما النصارى فقد كانت الحرب بينهم وبين المسلمين بعد الصدر الأول سجالا ثم صاروا هم المنصورين ، وأجاب ( الرازي ) عن ذلك : بأن الآية خاصة باليهود ، نعم وما قلناه يصلح جوابا مطلقا ، ويؤيده تقييده - تعالى - نصر المؤمنين بنصرهم إياه يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم [ 47 : 7 ] وبالقيام بما أمر به ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما ورد في سورة الحج وذكرناه في تفسير الآية السابقة . ومثله وصف المؤمنين المجاهدين في سورة التوبة بقوله : الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله [ 9 : 112 ] وقد شرحنا هذا المعنى غير مرة وسنفصله - إن شاء الله - في مقدمة التفسير تفصيلا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث