الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيع العربون

جزء التالي صفحة
السابق

( ولا يصح بيع العربون ) [ ص: 322 ] بفتح أوله وهو الأفصح وبضم فسكون ويقال له العربان بضم فسكون وهو معرب وأصله التسليف والتقديم ثم استعمل فيما يقرب من ذلك كما أفاده قوله ( بأن يشتري ويعطيه دراهم ) وقد وقع الشرط في العقد أي أو زمن خياره كما هو قياس ما مر على أنه إنما أعطاها ( لتكون من الثمن إن رضي السلعة وإلا فهبة ) بالنصب ويجوز الرفع للنهي عنه لكن إسناده غير متصل ولأن فيه شرطين مفسدين شرط الهبة وشرط رد المبيع بتقدير أن لا رضا قيل كان ينبغي له ذكر هذا والتفريق في فصل ما يبطل ويجاب بأن في صنيعه هذا فائدة أي فائدة وهي الإشارة إلى أن التفريق لما اختلف في إبطاله و هذا لما لم يثبت في النهي عنه شيء كانا بمنزلة مغاير لما في الفصلين فأخرا لإفادة هذا الذي لو قدم لم يتنبه له على أن هذا قدم إجمالا في البيع والشرط .

( تنبيه ) قد يجب البيع كما إذا تعين لمال المولي أو المفلس أو لاضطرار المشتري والمال لمحجور وإلا فالواجب مطلق التمليك وقد يندب كالبيع بمحاباة أي مع العلم بها فيما يظهر وإلا لم يثبت وعليه يحمل خبر المغبون لا مأجور ولا محمود وإن كان ضعيفا فإن قلت يمكن حمل ندب المحاباة هنا على قولهم يسن لمشتري ما يتعلق بعبادة أن لا يماكس في ثمنه قلت لا يمكن ذلك لأن ما هنا في محاباة البائع وذاك في محاباة المشتري على أن الذي يتجه ندب المحاباة للمشتري أيضا مطلقا وذكرهم ذاك إنما هو بالنسبة للآكدية لا لعدم الندب في شراء ما لغير عبادة بمحاباة لأن قياس ذكرهم ندبها للبائع مطلقا ندبها للمشتري كذلك .

فإن قلت يصدق عليه حينئذ أنه مغبون قلت ممنوع إنما المغبون من أخذ ماله لنحو تغفله أو عدم قصد محمود منه في المسامحة بدون ثمن مثله فإن قلت ينافي ذلك كله حديث { ماكسو الباعة فإنه لا خلاق لهم } قلت هذا حديث ضعيف وبفرض حسنه لورود طرق له منها { أتاني جبريل فقال يا محمد ماكس عن درهمك فإن المغبون لا مأجور ولا محمود } هو لا ينافيه بل يحمل على من لم يقصد محاباة لله فهذا ينبغي له مماكستهم دون من يقصد ذلك لكن الأوجه أن قصد المحاباة سنة مطلقا لكن كونها فيما يشترى للعبادة آكد وفي زمن نحو غلاء وقد يكره [ ص: 323 ] كبيع العينة وكل بيع اختلف في حله كالحيل المخرجة عن الربا وكبيع دور مكة والمصحف ولا يكره شراؤه على المعتمد وكالبيع والشراء ممن أكثر ماله حرام ومخالفة الغزالي فيه في الإحياء شاذة كما في المجموع وكذا سائر معاملته ويلحق بذلك الشراء مثلا من سوق غلب فيه اختلاط الحرام بغيره ولا حرمة ولا بطلان إلا إن تيقن في شيء بعينه موجبهما والحرام مر أكثر مثله والجائز ما بقي ولا ينافي جوازه عده من فروض الكفايات لأن فرض الكفاية جائز الترك بالنسبة للأفراد .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله : بالنصب ) أي وإلا فتكون هبة وقوله : ويجوز الرفع أي وإلا فهي هبة ( قوله : ويجاب ) فيه ما فيه ( قوله : مطلق التمليك ) في صدقه بالإباحة [ ص: 323 ] كما هو ظاهر وإن حصل الملك بالوضع في الفم أو غيره نظر ( قوله : كبيع العينة ) قال في الروض وهو أن يبيعه عينا بثمن كثير مؤجل ويسلمها ثم يشتريها منه أي بنقد يسير ليبقى الكثير في ذمته ونحوه ا هـ .



حاشية الشرواني

( قوله : بفتح أوله إلخ ) وبإبدال العين همزة مع الثلاث ففيه ست لغات ا هـ مغني ( قوله : وأصله إلخ ) أي في اللغة ا هـ مغني ( قوله : فيما تعرب ) ببناء المضي للمفعول من التعرب عبارة النهاية يقرب ا هـ من القرب ( قوله : كما أفاده ) أي الاستعمال المذكور ، قول المتن ( دراهم ) أي مثلا نهاية ومغني أي أو عرضا وظاهر أن قوله يشترى مثال أيضا ( قوله : وقد وقع الشرط ) أي الآتي آنفا ( قوله : قياس ما مر ) أي في التنبيه الذي قبيل قول المصنف والأصح أن للبائع إلخ ( قوله : على أنه إلخ ) متعلق بقول المتن ويعطيه دراهم قول المتن ( السلعة ) السلعة بالكسر على وزن سدرة مشتركة بين الخراج والبضاعة وبالفتح على وزن سجدة مختصة بالشجة مصباح ا هـ ع ش ( قوله : النصب ) أي فتكون هبة ( وقوله : ويجوز الرفع ) أي فهي هبة ا هـ سم ( قوله : رد المبيع ) عبارة النهاية البيع ا هـ بلا ميم قال ع ش أي العقد ا هـ .

( قوله : أن لا رضى ) أي أن لا يرضى نهاية ومغني ( قوله : قيل إلخ ) وممن قال به المحلي والمغني ( قوله : ويجاب إلخ ) فيه ما فيه ا هـ سم ( قوله : مغاير ) أي أمر مغاير ( قوله : في الفصلين ) أي فصل ما يبطل وفصل ما لا يبطل ( قوله : فأخرا ) أي التفريق وبيع العربون ا هـ نهاية ( قوله : الذي إلخ ) عبارة النهاية ولو قدمهما لفات ذلك ا هـ .

( قوله : قد يجب إلخ ) عبارة المغني .

( فائدة ) البيع ينقسم إلى الأحكام الخمسة وهي الواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح فالواجب كبيع الولي مال اليتيم إذا تعين باعه وبيع القاضي مال المفلس بشروطه إلخ ا هـ .

( قوله : لمال المولي ) متعلق بضمير البيع في تعين وقد مر ما فيه ( قوله : أو لاضطرار إلخ ) عطف على لمال المولي ( قوله : والمال لمحجور ) جملة حالية ( قوله : وإلا ) أي بأن كان المال لمطلق التصرف ( قوله : مطلق التمليك ) في صدقه بالإباحة الكافية كما هو ظاهر وإن حصل الملك بالوضع في الفم أو غيره نظر ا هـ سم ( قوله : كالبيع بمحاباة ) قد يقال المطلوب المحاباة لا نفس العقد إلا أن يقال لما اشتمل عليها وهي مطلوبة كان مطلوبا ا هـ ع ش ( قوله : وعليه يحمل ) أي على عدم العلم بالمحاباة ( قوله : هنا ) أي في تقسيم البيع إلى الأحكام الخمسة ( قوله : وذاك ) أي قولهم المذكور ( قوله : قصد محمود ) تركيب وصفي ( قوله : الباعة ) جمع بائع مفعول ماكسوا بصيغة الأمر ( قوله : و في زمن نحو الغلاء ) عطف على بمحاباة في قوله كالبيع بمحاباة .

( قوله : [ ص: 323 ] كبيع العينة ) وفي حواشي الجامع للعلقمي ما نصه العينة بكسر العين المهملة وإسكان التحتية وبالنون هو أن يبيعه عينا بثمن كثير مؤجل ويسلمها له ثم يشتريها منه بنقد يسير ليبقى الكثير في ذمته أو يبيعه عينا بثمن يسير نقد ويسلمها له ثم يشتريها منه بثمن كثير مؤجل سواء قبض الثمن الأول أو لا انتهى ا هـ ع ش ( قوله : والمصحف ) قيل ثمنه يقابل الدفتين لأن كلام الله لا يباع وقيل إنه بدل أجرة نسخة حكاهما الرافعي عن الصيمري ا هـ مغني ( قوله : ممن أكثر ماله إلخ ) أي كالظلمة والمكاسين والمنجمين والذي يضرب بالشعير أو الرمل أو الحصى ا هـ كردي ( قوله : ممن أكثر ماله حرام ) أي أو فيه حرام ولم يتحقق أن المأخوذ من الحرام وإلا فحرام ا هـ مغني .

( قوله : ومخالفة الغزالي فيه إلخ ) أي حيث قال بحرمته ( قوله : والحرام مر إلخ ) الأنسب وقد يحرم كأكثر ما ذكره المصنف في هذا الفصل والذي قبله وقد يباح وهو ما بقي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث