الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المصابيح في صلاة التراويح

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

40 - المصابيح في صلاة التراويح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى . وبعد ، فقد سئلت مرات : هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم التراويح وهي العشرون ركعة المعهودة الآن ؟ وأنا أجيب بلا ، ولا يقنع مني بذلك ، فأردت تحرير القول فيها ، فأقول : الذي وردت به الأحاديث الصحيحة والحسان والضعيفة الأمر بقيام رمضان ، والترغيب فيه من غير تخصيص بعدد ، ولم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى عشرين ركعة ، وإنما صلى ليالي صلاة لم يذكر عددها ثم تأخر في الليلة الرابعة ; خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا عنها ، وقد تمسك بعض من أثبت ذلك بحديث ورد فيه ، لا يصلح الاحتجاج به ، وأنا أورده وأبين وهاءه ، ثم أبين ما ثبت بخلافه . روى ابن أبي شيبة في مسنده قال : حدثنا يزيد ، أنا إبراهيم بن عثمان ، عن الحكم بن مقسم ، عن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر " أخرجه عبد بن حميد في مسنده : ثنا أبو نعيم ، ثنا أبو شيبة - يعني إبراهيم بن عثمان - به ، وأخرجه البغوي في معجمه : ثنا منصور بن أبي مزاحم ، ثنا أبو شيبة به ، وأخرجه الطبراني ، أي من طريق أبي شيبة أيضا , قلت : هذا الحديث ضعيف جدا لا تقوم به حجة ، قال الذهبي في الميزان : إبراهيم بن عثمان أبو شيبة الكوفي قاضي واسط يروي عن زوج أمه الحكم بن عيينة ، كذبه شعبة ، وقال ابن معين : ليس بثقة ، وقال أحمد بن حنبل : ضعيف ، وقال البخاري : سكتوا عنه ، [ ص: 414 ] وهي من صيغ التجريح ، وقال النسائي : متروك الحديث ، قال الذهبي : ومن مناكيره ما رواه عن الحكم بن مقسم ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان في غير جماعة عشرين ركعة والوتر ، قال : وقد ورد له عن الحكم عدة أحاديث ، مع أنه روي عنه أنه قال : ما سمعت من الحكم إلا حديثا واحدا ، قال : وهو الذي روى حديث : ما هلكت أمة إلا في آدار ، ولا تقوم الساعة إلا في آدار . وهو حديث باطل لا أصل له . انتهى كلام الذهبي . وقال المزني في تهذيبه : أبو شيبة إبراهيم بن عثمان له مناكير ، منها حديث أنه كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر ، قال : وقد ضعفه أحمد وابن معين والبخاري والنسائي وأبو حاتم الرازي وابن عدي وأبو داود والترمذي والأحوص بن المفضل الغلابي ، وقال الترمذي فيه : منكر الحديث ، وقال الجوزجاني : ساقط ، وقال أبو علي النيسابوري : ليس بالقوي ، وقال صالح بن محمد البغدادي : ضعيف ، لا يكتب حديثه ، وقال معاذ العنبري : كتبت إلى شعبة أسأله عنه : أروي عنه ؟ قال : لا ترو عنه ; فإنه رجل مذموم . انتهى . ومن اتفق هؤلاء الأئمة على تضعيفه لا يحل الاحتجاج بحديثه ، مع أن هذين الإمامين المطلعين الحافظين المستوعبين حكيا فيه ما حكيا ولم ينقلا عن أحد أنه وثقه ولا بأدنى مراتب التعديل ، وقد قال الذهبي ، وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال : لم يتفق اثنان من أهل الفن على تجريح ثقة ولا توثيق ضعيف ، ومن يكذبه مثل شعبة فلا يلتفت إلى حديثه ، مع تصريح الحافظين المذكورين نقلا عن الحفاظ بأن هذا الحديث مما أنكر عليه ، وفي ذلك كفاية في رده ، وهذا أحد الوجوه المردود بها .

والوجه الثاني : أنه قد ثبت في صحيح البخاري وغيره أن عائشة سئلت عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ، فقالت : ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة .

الثالث : أنه قد ثبت في صحيح البخاري عن عمر أنه قال في التراويح : نعمت البدعة هذه ، والتي ينامون عنها أفضل ، فسماها بدعة ، يعني بدعة حسنة ، وذلك صريح في أنها لم تكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد نص على ذلك الإمام الشافعي وصرح به جماعات من الأئمة ، منهم الشيخ عز الدين بن عبد السلام ، حيث قسم البدعة إلى خمسة أقسام وقال : ومثال المندوبة صلاة التراويح ، ونقله عنه النووي في تهذيب الأسماء واللغات ، ثم قال : وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي قال : المحدثات في الأمور ضربان : أحدهما ما أحدث مما خالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا [ ص: 415 ] فهذه البدعة الضلالة . والثاني ما أحدث من الخير ، وهذه محدثة غير مذمومة ، وقد قال عمر في قيام شهر رمضان : نعمت البدعة هذه ، يعني أنها محدثة لم تكن - هذا آخر كلام الشافعي .

وفي سنن البيهقي وغيره بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد الصحابي قال : كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب في شهر رمضان بعشرين ركعة ، ولو كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لذكره ; فإنه أولى بالإسناد وأقوى في الاحتجاج . الرابع : أن العلماء اختلفوا في عددها ، ولو ثبت ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يختلف فيه كعدد الوتر والرواتب ، فروي عن الأسود بن يزيد أنه كان يصليها أربعين ركعة غير الوتر ، وعن مالك : التراويح ست وثلاثون ركعة غير الوتر ; لقول نافع : أدركت الناس وهم يقومون رمضان بتسع وثلاثين ركعة ، يوترون منها بثلاث . الخامس : أنها تستحب لأهل المدينة ستا وثلاثين ركعة تشبيها بأهل مكة ، حيث كانوا يطوفون بين كل ترويحتين طوافا ويصلون ركعتيه ولا يطوفون بعد الخامسة ، فأراد أهل المدينة مساواتهم فجعلوا مكان كل طواف أربع ركعات ، ولو ثبت عددها بالنص لم تجز الزيادة عليه ، ولأهل المدينة والصدر الأول كانوا أورع من ذلك ، ومن طالع كتب المذهب ، خصوصا شرح المهذب ، ورأى تصرفه وتعليله في مسائلها ، كقراءتها ووقتها وسن الجماعة فيها بفعل الصحابة وإجماعهم ، علم علم اليقين أنه لو كان فيها خبر مرفوع لاحتج به . هذا جوابي في ذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

ثم رأيت في تخريج أحاديث الشرح الكبير لشيخ الإسلام ابن حجر ما نصه : قول الرافعي : إنه صلى الله عليه وسلم صلى بالناس عشرين ركعة ليلتين ، فلما كان في الليلة الثالثة اجتمع الناس فلم يخرج إليهم ثم قال من الغد : " خشيت أن تفرض عليكم فلا تطيقوها " متفق على صحته من حديث عائشة ، دون عدد الركعات ، زاد البخاري : فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك . قال شيخ الإسلام : وأما العدد فروى ابن حبان في صحيحه من حديث جابر أنه صلى بهم ثمان ركعات ثم أوتر . فهذا مباين لما ذكره الرافعي قال : نعم ذكر العشرين ورد في حديث آخر رواه البيهقي من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في رمضان في غير جماعة عشرين ركعة والوتر ، زاد سليم الرازي في كتاب الترغيب : ويوتر بثلاث ، قال البيهقي : تفرد به أبو شيبة إبراهيم بن عثمان ، وهو ضعيف ، وفي الموطأ وابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر أنه جمع الناس على أبي بن كعب ، فكان يصلي بهم في شهر رمضان عشرين ركعة - الحديث . انتهى . فالحاصل أن العشرين [ ص: 416 ] [ركعة] لم تثبت من فعله صلى الله عليه وسلم ، وما نقله عن صحيح ابن حبان غاية فيما ذهبنا إليه من تمسكنا بما في البخاري عن عائشة أنه كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ; فإنه موافق له من حيث إنه صلى التراويح ثمانيا ثم أوتر بثلاث ، فتلك إحدى عشرة . ومما يدل لذلك أيضا أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا عمل عملا واظب عليه ، كما واظب على الركعتين اللتين قضاهما بعد العصر مع كون الصلاة في ذلك الوقت منهيا عنها ، ولو فعل العشرين ولو مرة لم يتركها أبدا ، ولو وقع ذلك لم يخف على عائشة حيث قالت ما تقدم ، والله أعلم .

وفي الأوائل للعسكري : أول من سن قيام رمضان عمر سنة أربع عشرة ، وأخرج البيهقي وغيره من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال : إن عمر بن الخطاب أول من جمع الناس على قيام شهر رمضان ، الرجال على أبي بن كعب ، والنساء على سليمان بن أبي حثمة . وأخرج ابن سعد عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة نحوه ، وزاد : فلما كان عثمان بن عفان جمع الرجال والنساء على إمام واحد : سليمان بن أبي حثمة . وقال سعيد بن منصور في سننه : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، حدثني محمد بن يوسف : سمعت السائب بن يزيد يقول : كنا نقوم في زمان عمر بن الخطاب بإحدى عشرة ركعة نقرأ فيها بالمئين ، ونعتمد على العصي من طول القيام ، وننقلب عند بزوغ الفجر . فهذا أيضا موافق لحديث عائشة . وكان عمر لما أمر بالتراويح اقتصر أولا على العدد الذي صلاه النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم زاد في آخر الأمر . وقال سعيد أيضا : حدثنا هشيم ، ثنا زكريا بن أبي مريم الخزاعي : سمعت أبا أمامة يحدث قال : إن الله كتب عليكم صيام رمضان ولم يكتب عليكم قيامه ، وإنما القيام شيء ابتدعتموه فدوموا عليه ولا تتركوه ; فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة ابتغاء رضوان الله فعاتبهم الله بتركها ، ثم تلا : ( ورهبانية ابتدعوها ) الآية . وأخرج أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان ، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الناس على القيام . وقال الأذرعي في التوسط : وأما من نقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى في الليلتين اللتين خرج فيهما عشرين ركعة ، فهو منكر ، وقال الزركشي في الخادم : دعوى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم في تلك الليلة عشرين ركعة لم يصح ، بل الثابت في الصحيح الصلاة من غير ذكر العدد ، وجاء في رواية جابر أنه صلى [ ص: 417 ] بهم ثمان ركعات والوتر ، ثم انتظروه في القابلة فلم يخرج إليهم . رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما . وقال السبكي في شرح المنهاج : اعلم أنه لم ينقل كم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليالي ، هل هو عشرون أو أقل ، قال : ومذهبنا أن التراويح عشرون ركعة ; لما روى البيهقي وغيره بالإسناد الصحيح عن السائب بن يزيد الصحابي رضي الله عنه قال : كنا نقوم على عهد عمر رضي الله عنه بعشرين ركعة والوتر ، هكذا ذكره المصنف واستدل به ، ورأيت إسناده في البيهقي ، لكن في الموطأ وفي مصنف سعيد بن منصور بسند في غاية الصحة عن السائب بن يزيد : إحدى عشرة ركعة . وقال الجوري من أصحابنا : عن مالك أنه قال : الذي جمع عليه الناس عمر بن الخطاب أحب إلي ، وهو إحدى عشرة ركعة ، وهي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قيل له : إحدى عشرة ركعة بالوتر ؟ قال : نعم وثلاث عشرة قريب ، قال : ولا أدري من أين أحدث هذا الركوع الكثير ؟ وقال الجوري : إن عدد الركعات في شهر رمضان لا حد له عند الشافعي ; لأنه نافلة ، ورأيت في كتاب سعيد بن منصور آثارا في صلاة عشرين ركعة وست وثلاثين ركعة ، لكنها بعد زمان عمر بن الخطاب ، ومال ابن عبد البر إلى رواية ثلاث وعشرين بالوتر ، وأن رواية مالك في إحدى عشرة وهم ، وقال : إن غير مالك يخالفه ويقول : إحدى وعشرين ، قال : ولا أعلم أحدا قال في هذا الحديث : إحدى عشرة ركعة ، غير مالك ، وكأنه لم يقف على مصنف سعيد بن منصور في ذلك فإنه رواها كما رواها مالك عن عبد العزيز بن محمد ، عن محمد بن يوسف شيخ مالك ، فقد تضافر مالك وعبد العزيز الدراوردي على روايتها ، إلا أن هذا أمر يسهل الخلاف فيه ; فإن ذلك من النوافل ؛ من شاء أقل ومن شاء أكثر ، ولعلهم في وقت اختاروا تطويل القيام على عدد الركعات فجعلوها إحدى عشرة ، وفي وقت اختاروا عدد الركعات فجعلوها عشرين ، وقد استقر العمل على هذا . انتهى كلام السبكي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث