الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة

وأما قوله تعالى : ( قالوا أتجعل فيها ) إلى آخر الآية ، ففيه مسائل :

المسألة الأولى : الجمهور الأعظم من علماء الدين اتفقوا على عصمة كل الملائكة عن جميع الذنوب ومن الحشوية من خالف في ذلك ولنا وجوه :

[ ص: 153 ]

الأول : قوله تعالى : ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) [التحريم : 6] إلا أن هذه الآية مختصة بملائكة النار ، فإذا أردنا الدلالة العامة تمسكنا بقوله تعالى : ( يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) [النحل : 50] فقوله : ( ويفعلون ما يؤمرون ) يتناول جميع فعل المأمورات وترك المنهيات ؛ لأن المنهي عن الشيء مأمور بتركه ، فإن قيل : ما الدليل على أن قوله : ( ويفعلون ما يؤمرون ) يفيد العموم ؟ قلنا : لأنه لا شيء من المأمورات إلا ويصح الاستثناء منه ، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل على ما بيناه في أصول الفقه .

والثاني : قوله تعالى : ( بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) [الأنبياء : 26 - 27 ] فهذا صريح في براءتهم عن المعاصي ، وكونهم متوقفين في كل الأمور إلا بمقتضى الأمر والوحي .

والثالث : أنه تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في البشر بالمعصية ولو كانوا من العصاة لما حسن منهم ذلك الطعن .

الرابع : أنه تعالى حكى عنهم أنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، ومن كان كذلك امتنع صدور المعصية منه ، واحتج المخالف بوجوه :

الأول : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) وهذا يقتضي صدور الذنب عنهم ، ويدل على ذلك وجوه :

أحدها : أن قولهم : أتجعل فيها هذا اعتراض على الله تعالى ، وذلك من أعظم الذنوب .

وثانيها : أنهم طعنوا في بني آدم بالفساد والقتل وذلك غيبة ، والغيبة من كبائر الذنوب .

وثالثها : أنهم بعد أن طعنوا في بني آدم مدحوا أنفسهم بقولهم : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) وأنهم قالوا : ( وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون ) [الصافات : 165- 166] وهذا للحصر ، فكأنهم نفوا كون غيرهم كذلك ، وهذا يشبه العجب والغيبة وهو من الذنوب المهلكة ، قال عليه السلام : ( ثلاث مهلكات ، وذكر فيها إعجاب المرء بنفسه ) .

وقال تعالى : ( فلا تزكوا أنفسكم ) [النجم : 32] .

ورابعها : أن قولهم : لا علم لنا إلا ما علمتنا يشبه الاعتذار فلولا تقدم الذنب وإلا لما اشتغلوا بالعذر .

وخامسها : أن قوله : ( أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) [البقرة : 31] يدل على أنهم كانوا كاذبين فيما قالوه أولا .

وسادسها : أن قوله : ( ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) [البقرة : 33] يدل على أن الملائكة ما كانوا عالمين بذلك قبل هذه الواقعة ، وأنهم كانوا شاكين في كون الله تعالى عالما بكل المعلومات .

وسابعها : أن علمهم يفسدون ويسفكون الدماء ، إما أن يكون قد حصل بالوحي إليهم في ذلك أو قالوه استنباطا ، والأول بعيد ؛ لأنه إذا أوحى الله تعالى ذلك إليهم لم يكن لإعادة ذلك الكلام فائدة ، فثبت أنهم قالوه عن الاستنباط والظن ، والقدح في الغير على سبيل الظن غير جائز ؛ لقوله تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) [الإسراء : 36] وقال : ( وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) [النجم : 28] . وثامنها : روي عن ابن عباس رضي الله عنه ما أنه قال : إن الله سبحانه وتعالى قال للملائكة الذين كانوا جند إبليس في محاربة الجن : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) فقالت الملائكة مجيبين له سبحانه : [ ص: 154 ] ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) ثم علموا غضب الله عليهم فقالوا : ( سبحانك لا علم لنا ) [البقرة : 32] وروي عن الجن وقتادة أن الله تعالى لما أخذ في خلق آدم همست الملائكة فيما بينهم وقالوا : ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق فلن يخلق خلقا إلا كنا أعظم منه وأكرم عليه ، فلما خلق آدم عليه السلام وفضله عليهم ( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) [البقرة : 31] في أني لا أخلق خلقا إلا وأنتم أفضل منه ففزع القوم عند ذلك إلى التوبة و ( قالوا سبحانك لا علم لنا ) [البقرة : 32] وفي بعض الروايات أنهم لما قالوا : أتجعل فيها ، أرسل الله عليهم نارا فأحرقتهم .

الشبهة الثانية : تمسكوا بقصة هاروت وماروت ، وزعموا أنهما كانا ملكين من الملائكة ، وأنهما لما نظرا إلى ما يصنع أهل الأرض من المعاصي أنكرا ذلك وأكبراه ودعوا على أهل الأرض ، فأوحى الله تعالى إليهما إني لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم من الشهوات لعصيتماني ، فقالا : يا رب لو ابتليتنا لم نفعل فجربنا ، فأهبطهما إلى الأرض وابتلاهما الله بشهوات بني آدم ، فمكثا في الأرض ، وأمر الله الكوكب المسمى بالزهرة والملك الموكل به فهبطا إلى الأرض ، فجعلت الزهرة في صورة امرأة والملك في صورة رجل ، ثم إن الزهرة اتخذت منزلا وزينت نفسها ودعتهما إلى نفسها ، ونصب الملك نفسه في منزلها في مثال صنم ، فأقبلا إلى منزلها ودعواها إلى الفاحشة ، فأبت عليهما إلا أن يشربا خمرا ، فقالا : لا نشرب الخمر ، ثم غلبت الشهوة عليهما فشربا ، ثم دعواها إلى ذلك ، فقالت : بقيت خصلة لست أمكنكما من نفسي حتى تفعلاها ، قالا : وما هي ؟ قالت : تسجدان لهذا الصنم ، فقالا : لا نشرك بالله ، ثم غلبت الشهوة عليهما فقالا : نفعل ثم نستغفر ، فسجدا للصنم فارتفعت الزهرة وملكها إلى موضعهما من السماء ، فعرفا حينئذ أنه إنما أصابهما ذلك بسبب تعيير بني آدم ، وفي رواية أخرى أن الزهرة كانت فاجرة من أهل الأرض ، وإنما واقعاها بعد أن شربا الخمر ، وقتلا النفس ، وسجدا للصنم ، وعلماها الاسم الأعظم الذي كانا به يعرجان إلى السماء ، فتكلمت المرأة بذلك الاسم وعرجت إلى السماء ، فمسخها الله تعالى وصيرها هذا الكوكب المسمى بالزهرة ، ثم إن الله تعالى عرف هاروت وماروت قبيح ما فيه وقعا ، ثم خيرهما بين عذاب الآخرة آجلا وبين عذاب الدنيا عاجلا ، فاختارا عذاب الدنيا ، فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى يوم القيامة ، وهما يعلمان الناس السحر ويدعوان إليه ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك الموضع لتعلم السحر خاصة ، وتعلقوا في ذلك بقوله تعالى : ( واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان ) [البقرة : 102] . الشبهة الثالثة : أن إبليس كان من الملائكة المقربين ، ثم إنه عصى الله تعالى وكفر ، وذلك يدل على صدور المعصية من جنس الملائكة .

الشبهة الرابعة : قوله تعالى : ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) [المدثر : 31] قالوا : فدل هذا على أن الملائكة يعذبون ، لأن أصحاب النار لا يكونون إلا ممن يعذب فيها كما قال : ( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) والجواب عن الشبهة الأولى أن نقول : أما الوجه الأول وهو قولهم : إنهم اعترضوا على الله تعالى ، وهذا من أعظم الذنوب ، فنقول : إنه ليس غرضهم من ذلك السؤال تنبيه الله على شيء كان غافلا عنه ، فإن من اعتقد ذلك في الله فهو كافر ، ولا الإنكار على الله تعالى في فعل فعله ، بل المقصود من ذلك السؤال أمور : [ ص: 155 ] أحدها : أن الإنسان إذا كان قاطعا بحكمة غيره ، ثم رأى أن ذلك الغير يفعل فعلا لا يقف على وجه الحكمة فيه ، فيقول له : أتفعل هذا كأنه يتعجب من كمال حكمته وعلمه ، ويقول : إعطاء هذه النعم لمن يفسد من الأمور التي لا تهتدي العقول فيها إلى وجه الحكمة ، فإذا كنت تفعلها واعلم أنك لا تفعلها إلا لوجه دقيق وسر غامض أنت مطلع عليه ، فما أعظم حكمتك وأجل علمك ، فالحاصل أن قوله : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) كأنه تعجب من كمال علم الله تعالى وإحاطة حكمته بما خفي على كل العقلاء .

وثانيها : أن إيراد الإشكال طلبا للجواب غير محذور ، فكأنهم قالوا : إلهنا أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه البتة ، ونحن نرى في العرف أن تمكين السفيه من السفه سفه ، فإذا خلقت قوما يفسدون ويقتلون وأنت مع علمك أن حالهم كذلك خلقتهم ومكنتهم وما منعتهم عن ذلك فهذا يوهم السفه ، وأنت الحكيم المطلق ، فكيف يمكن الجمع بين الأمرين ؟ فكأن الملائكة أوردوا هذا السؤال طلبا للجواب ، وهذا جواب المعتزلة قالوا : وهذا يدل على أن الملائكة لم يجوزوا صدور القبيح من الله تعالى ، وكانوا على مذهب أهل العدل ، قالوا : والذي يؤكد هذا الجواب وجهان :

أحدهما : أنهم أضافوا الفساد وسفك الدماء إلى المخلوقين لا إلى الخالق .

والثاني : أنهم قالوا : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) لأن التسبيح تنزيه ذاته عن صفة الأجسام ، والتقديس تنزيه أفعاله عن صفة الذم ونعت السفه .

وثالثها : أن الشرور وإن كانت حاصلة في تركيب هذا العالم السفلي إلا أنها من لوازم الخيرات الحاصلة فيه ، وخيراتها غالبة على شرورها ، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير ، فالملائكة ذكروا تلك الشرور ، فأجابهم الله تعالى بقوله : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) يعني أن الخيرات الحاصلة من أجل تراكيب العالم السفلي أكثر من الشرور الحاصلة فيها ، والحكمة تقتضي إيجاد ما هذا شأنه لا تركه ، وهذا جواب الحكماء .

ورابعها : أن سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام الله تعالى فإن العبد المخلص لشدة حبه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه .

وخامسها : أن قول الملائكة : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) مسألة منهم أن يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ذلك صلاحا ، فكأنهم قالوا : يا إلهنا اجعل الأرض لنا لا لهم كما قال موسى عليه السلام : ( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) [الأعراف : 155] والمعنى لا تهلكنا ، فقال تعالى : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) من صلاحكم وصلاح هؤلاء الذين أجعلهم في الأرض ، فبين بذلك أنه اختار لهم السماء خاصة ، ولهؤلاء الأرض خاصة لعلمه بصلاح ذلك في أديانهم ليرضى كل فريق بما اختاره الله له .

سادسها : أنهم طلبوا الحكمة التي لأجلها خلقهم مع هذا الفساد والقتل .

وسابعها : قال القفال يحتمل أن الله تعالى لما أخبرهم أنه يجعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها ، أي ستفعل ذلك فهو إيجاب خرج مخرج الاستفهام قال جرير :


ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح



أي أنتم كذلك ، ولو كان استفهاما لم يكن مدحا ، ثم قالت الملائكة : إنك تفعل ذلك ، ونحن مع هذا نسبح بحمدك ونقدس لما أنا نعلم أنك لا تفعل إلا الصواب والحكمة ، فلما قالوا ذلك قال الله تعالى لهم : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) كأنه قال - والله أعلم - نعم ما فعلتم حيث لم تجعلوا ذلك قادحا في حكمتي ، فإني أعلم ما لا تعلمون ، فأنتم علمتم ظاهرهم وهو الفساد والقتل ، وما علمتم باطنهم ، وأنا أعلم ظاهرهم وباطنهم [ ص: 156 ] فأعلم من بواطنهم أسرارا خفية وحكما بالغة تقتضي خلقهم وإيجادهم .

أما الوجه الثاني : وهو أنهم ذكروا بني آدم بما لا ينبغي وهو الغيبة ، فالجواب أن محل الإشكال في خلق بني آدم إقدامهم على الفساد والقتل ، ومن أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الإشكال لا لغيره ، فلهذا السبب ذكروا من بني آدم هاتين الصفتين ، وما ذكروا منهم عبادتهم وتوحيدهم ؛ لأن ذلك ليس محل الإشكال .

أما الوجه الثالث : وهو أنهم مدحوا أنفسهم ، وذلك يوجب العجب وتزكية النفس .

فالجواب : أن مدح النفس غير ممنوع منه مطلقا لقوله : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) [الضحى : 11] وأيضا فيحتمل أن يكون قولهم : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) ليس المراد مدح النفس ، بل المراد بيان أن هذا السؤال ما أوردناه لنقدح به في حكمتك يا رب ، فإنا نسبح بحمدك ونعترف لك بالإلهية والحكمة ، فكأن الغرض من ذلك بيان أنهم ما أوردوا السؤال للطعن في الحكمة والإلهية ، بل لطلب وجه الحكمة على سبيل التفصيل .

أما الوجه الرابع : وهو أن قولهم : ( لا علم لنا إلا ما علمتنا ) [البقرة : 32] ، يشبه الاعتذار فلا بد من سبق الذنب ، قلنا : نحن نسلم أن الأولى للملائكة أن لا يوردوا ذلك السؤال ، فلما تركوا هذا الأولى كان ذلك الاعتذار اعتذارا من ترك الأولى ، فإن قيل : أليس أنه تعالى قال : (لا يسبقونه بالقول ) [الأنبياء : 27] فهذا السؤال وجب أن يكون بإذن الله تعالى ، وإذا كانوا مأذونين في هذا السؤال فكيف اعتذروا عنه ؟ قلنا العام قد يتطرق إليه التخصيص .

أما الوجه الخامس : وهو أن إخبار الملائكة عن الفساد وسفك الدماء ، إما أن يكون حصل عن الوحي أو قالوه استنباطا وظنا ، قلنا : اختلف العلماء فيه ، فمنهم من قال : إنهم ذكروا ذلك ظنا ثم ذكروا فيه وجهين :

الأول : وهو مروي عن ابن عباس والكلبي أنهم قاسوه على حال الجن الذين كانوا قبل آدم عليه السلام في الأرض .

الثاني : أنهم عرفوا خلقته وعرفوا أنه مركب من هذه الأخلاط الأربعة فلا بد وأن تتركب فيه الشهوة والغضب ، فيتولد الفساد عن الشهوة ، وسفك الدماء عن الغضب ، ومنهم من قال : إنهم قالوا ذلك على اليقين وهو مروي عن ابن مسعود وناس من الصحابة ، ثم ذكروا فيه وجوها :

أحدها : أنه تعالى لما قال للملائكة : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) قالوا : ربنا وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال : يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ، ويقتل بعضهم بعضا ، فعند ذلك قالوا : ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ .

وثانيها : أنه تعالى كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها وسفكوا الدماء .

وثالثها : قال ابن زيد لما خلق الله تعالى النار خافت الملائكة خوفا شديدا فقالوا : ربنا لمن خلقت هذه النار ؟ قال لمن عصاني من خلقي ، ولم يكن لله يومئذ خلق إلا الملائكة ، ولم يكن في الأرض خلق البتة ، فلما قال : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) عرفوا أن المعصية تظهر منهم .

ورابعها : لما كتب القلم في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة ، فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك .

وخامسها : إذا كان معنى الخليفة من يكون نائبا لله تعالى في الحكم والقضاء ، والاحتجاج إلى الحاكم والقاضي إنما يكون عند التنازع والتظالم ، كان الإخبار عن وجود الخليفة إخبارا عن وقوع الفساد والشر بطريق [ ص: 157 ] الالتزام ، قال أهل التحقيق : والقول بأنه كان هذا الإخبار عن مجرد الظن - باطل ؛ لأنه قدح في الغير بما لا يأمن أن يكون كاذبا فيه ، وذلك ينافي العصمة والطهارة .

أما الوجه السادس : هو الأخبار التي ذكروها ، فهي من باب أخبار الآحاد فلا تعارض الدلائل التي ذكرناها .

أما الشبهة الثانية : وهي قصة هاروت وماروت ، فالجواب عنها أن القصة التي ذكروها باطلة من وجوه :

أحدها : أنهم ذكروا في القصة أن الله تعالى قال لهما : لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني ، فقالا : لو فعلت ذلك بنا يا رب لما عصيناك ، وهذا منهم تكذيب لله تعالى وتجهيل له ، وذلك من صريح الكفر ، والحشوية سلموا أنهما كانا قبل الهبوط إلى الأرض معصومين .

وثانيها : في القصة أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، وذلك فاسد بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة ، وبين العذاب ، والله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره وبالغ في إيذاء أنبيائه .

وثالثها : في القصة أنهما يعلمان السحر حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما معاقبان على المعصية .

ورابعها : أن المرأة الفاجرة كيف يعقل أنها لما فجرت صعدت إلى السماء ، وجعلها الله تعالى كوكبا مضيئا وعظم قدره بحيث أقسم به حيث قال : ( فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس ) [التكوير : 15 - 16] فهذه القصة قصة ركيكة يشهد كل عقل سليم بنهاية ركاكتها ، وأما الكلام في تعليم السحر فسيأتي في تفسير تلك الآية في موضعها إن شاء الله تعالى .

وأما الشبهة الثالثة : فسنتكلم في بيان أن إبليس ما كان من الملائكة .

وأما الشبهة الرابعة : وهي قوله : ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) [المدثر : 31] فهذا لا يدل على كونهم معذبين في النار ، وقوله : ( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) [يونس : 27] لا يدل أيضا على كونهم معذبين بالنار بمجرد هذه الآية ، بل إنما عرف ذلك بدليل آخر فقوله : ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) [المدثر : 31] يريد به خزنة النار والمتصرفين فيها والمدبرين لأمرها ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث