الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


836 1 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، قال : حدثنا أبو الزناد ، أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج مولى ربيعة بن الحارث حدثه ، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد .

التالي السابق


مطابقته للترجمة في قوله : " هذا يومهم الذي فرض الله عليهم " إلى آخره .

ذكر رجاله ، وهم خمسة ; الأول : أبو اليمان الحكم بن نافع . الثاني : شعيب ابن أبي حمزة . الثالث : أبو الزناد ، بكسر الزاي وبالنون ، عبد الله بن ذكوان . الرابع : الأعرج . الخامس : أبو هريرة .

( ذكر لطائف إسناده )

فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار كذلك في موضع ، والتحديث أيضا بصيغة الإفراد في موضع . وفيه السماع في موضعين . وفيه القول في ثلاثة مواضع . وفيه أن رواته ما بين حمصيين وهما أبو اليمان وشعيب ، ومدنيين وهما أبو الزناد والأعرج . وأخرجه مسلم عن عمرو الناقد وابن أبي عمر فرقهما ، وأخرجه النسائي عن سعيد بن عبد الرحمن .

ذكر معناه وإعرابه

قوله : “ نحن الآخرون السابقون " في رواية ابن عيينة عن أبي الزناد عند مسلم : " نحن الآخرون ونحن السابقون " ، ومعناه : نحن الآخرون زمانا والسابقون ، يعني : الأولون منزلة . ويقال : معناه : نحن الآخرون لأجل إيتاء الكتاب لهم قبلنا ، ونحن السابقون لهداية الله تعالى لنا لذلك . ويقال : نحن الآخرون الذين جاءوا آخر الأمم والسابقون الناس يوم القيامة إلى الموقف والسابقون في دخول الجنة ، ويوضح ذلك ما رواه مسلم عن حذيفة قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا ، فكان لليهود يوم السبت وكان للنصارى يوم الأحد ، فجاء الله بنا فهدانا الله تعالى ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأحد ، كذلك هم تبع لنا يوم القيامة ، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة ، المقضي لهم قبل الخلائق " . وقيل : المراد بالسبق إحراز فضيلة اليوم السابق بالفضل ، وهو الجمعة . وقيل : المراد بالسبق السبق إلى القبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب ، فقالوا ( سمعنا وعصينا ) .

قوله : “ بيد " بفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ، وهو مثل غير وزنا ومعنى وإعرابا ، ويقال : ميد ، بالميم ، وهو اسم ملازم للإضافة إلى أن وصلتها وله معنيان أحدهما : غير ، إلا أنه لا يقع مرفوعا ولا مجرورا بل منصوبا ، ولا يقع صفة ولا استثناء متصلا ، وإنما يستثنى به في الانقطاع خاصة ، وقال ابن هشام : ومنه الحديث " نحن الآخرون السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا " ، وفي مسند الشافعي : " بايد أنهم " ، وفي مجمع الغرائب : بعض المحدثين يرويه " بايد أنا أوتينا " ، أي : بقوة أنا أعطينا ، قال أبو عبيدة : وهو غلط ليس له معنى يعرف . وزعم الداودي أنها بمعنى على أو مع . قال القرطبي : إن كانت بمعنى غير فينصب على الاستثناء ، وإذا كانت بمعنى مع فينصب على الظرف . وروى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن الربيع عنه أن معنى " بيد " من أجل ، وكذا ذكره ابن حبان والبغوي عن المزني عن الشافعي ، وقال عياض : هو بعيد . وقال بعضهم : ولا بعد فيه ، بل معناه : إنا سبقنا بالفضل إذ هدينا للجمعة مع تأخرنا في الزمان بسبب أنهم ضلوا عنها مع تقدمهم ، انتهى .

قلت : استبعاد عياض موجه ، ونفي هذا القائل البعد بعيد لفساد المعنى ، لأن بيد إذا كان بمعنى من أجل يكون المعنى : نحن السابقون لأجل أنهم أتوا الكتاب ، وهذا ظاهر الفساد على ما لا يخفى ، ثم أكد هذا القائل كلامه بقوله : ويشهد له ما وقع في فوائد ابن المقري في طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ " نحن الآخرون في الدنيا ونحن أول من يدخل الجنة ، لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا " . قلت : هذا لا يصلح أن يكون شاهدا لما ادعاه ، لأن قوله " لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا " تعليل لقوله " نحن الآخرون في الدنيا " .

قوله : “ أوتوا الكتاب " أي : أعطوه ، [ ص: 164 ] والمراد من الكتاب التوراة والإنجيل ، فتكون الألف واللام فيه للعهد ، وقال بعضهم : اللام للجنس . وهو غير صحيح . قوله : " ثم هذا " ، إشارة إلى يوم الجمعة . قوله : " الذي فرض الله عليهم " هو هكذا في رواية الحموي ، وفي رواية الأكثرين " الذي فرض عليهم " وقال ابن بطال : ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه ، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليه وهو مؤمن ، وإنما يدل والله أعلم ، أنه فرض عليهم يوم الجمعة ووكل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم ، فاختلفوا في أي الأيام هو ، ولم يهتدوا ليوم الجمعة . وجنح القاضي عياض إلى هذا ورشحه بقوله : لو كان فرض عليهم بعينه لقيل : فخالفوا ، بدل " فاختلفوا " . وقال النووي : يمكن أن يكونوا أمروا به صريحا فاختلفوا هل يلزم تعيينه أم يسوغ إبداله بيوم آخر ، فاجتهدوا في ذلك فأخطؤوا . وقال بعضهم : ويشهد له ما رواه الطبراني بإسناد صحيح عن مجاهد في قوله : إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه قال أرادوا الجمعة فأخطؤوا وأخذوا السبت مكانه . قلت : كيف يشهد له هذا وهم أخذوا السبت لأنه جعل عليهم ، وإن كان أخذهم بعد اختلافهم فيه فخطؤهم في إرادتهم الجمعة ، ومع هذا استقروا على السبت الذي جعل عليهم . وقيل : يحتمل أن يكون فرض عليهم يوم الجمعة بعينه فأبوا ، ويدل عليه ما رواه ابن أبي حاتم من طريق أسباط بن نصر عن السدي التصريح بذلك ولفظه : " إن الله فرض على اليهود الجمعة فأبوا وقالوا : يا موسى إن الله لم يخلق يوم السبت شيئا ، فاجعله لنا ، فجعله عليهم " ولم يكن هذا ببعيد منهم ، لأنهم هم القائلون : سمعنا وعصينا

قوله : “ فهدانا الله له " يحتمل وجهين أحدهما أن يكون الله قد نص لنا عليه ، والثاني أن تكون الهداية إليه بالاجتهاد ، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد بن سيرين ، وقد ذكرناه في كتاب الجمعة ، فإن فيه أن أهل المدينة قد جمعوا قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( فإن قلت ) : هذا مرسل . ( قلت ) : وله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث كعب بن مالك قال : " كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، أسعد بن زرارة " .

قوله : “ تبع " بفتح التاء المثناة والباء الموحدة ، جمع تابع كالخدم جمع خادم . قوله : " اليهود غدا " فيه حذف تقديره : يعظم اليهود غدا ، أو اليهود يعظمون غدا ، فعلى الأول ارتفاع اليهود بالفاعلية وعلى الثاني بالابتداء ، ولا بد من هذا التقدير لأن ظرف الزمان لا يكون خبرا عن الجثة ، فحينئذ انتصاب غدا على الظرفية ، وكذلك الكلام في قوله : " والنصارى بعد غد " والمراد من قوله : " غدا " السبت ومن قوله : " بعد غد " الأحد ، وإنما اختار اليهود السبت لأنهم زعموا أنه يوم قد فرغ الله منه عن خلق الخلق فقالوا : نحن نستريح فيه عن العمل ونشتغل فيه بالعبادة والشكر لله تعالى ، واختار النصارى يوم الأحد لأنهم قالوا : أول يوم بدأ الله فيه بخلق الخليقة ، فهو أولى بالتعظيم ، فهدانا الله لليوم الذي فرضه ، وهو يوم الجمعة .

( ذكر ما يستفاد منه )

فيه دليل على فرضية الجمعة ، وهو قوله : " فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له " ، لأن التقدير : فرض الله عليهم وعلينا فضلوا وهدينا ، ووقع في رواية مسلم عن أبي الزناد بلفظ : " كتب علينا " ، وفيه أن الهداية والإضلال من الله تعالى ، كما هو قول أهل السنة . وفيه أن سلامة الإجماع من الخطأ مخصوص بهذه الأمة . وفيه دليل قوي على زيادة فضل هذه الأمة على الأمم السالفة . وفيه سقوط القياس مع وجود النص ، وذلك أن كلا منهما قال بالقياس مع وجود النص على قول التعيين فضلا . وفيه التفويض وترك الاختيار ، لأنهما اختارا فضلا ونحن علقنا الاختيار على من هو بيده فهدى وكفى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث